فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما" [النساء:174 - 175] ."
قال ابن كير عند هذه الآية: يقول تعالى: مخاطبا جميع الناس ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة -ويمثل- ضياء واضحا على الحق -وأن الذين- جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم ... آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن -وأنه سبحانه- سيرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم، -ويجعل لهم- طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات).
وقد جعل الله تعالى مناط السلامة وعدم الاكتراث من الخوف باختيار طريق الإيمان والتمسك به، والكفر بالطاغوت قال تعالى:"فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى"، قال ابن جرير في تأويل هذه الآية: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها) .
ويزيد أهمية التمسك بالقرآن كثرة النصوص التي تحث على التمسك بالوحي ليسلم للعبد دينه من البدع والانحراف، ويجتنب الفرقة والاختلاف، بالإضافة إلى ما سبق ذكره قوله تعالى:"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..." [آل عمران:103] . قال أبو جعفر: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) : يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا، وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله). وقد تنوعت عبارات المفسرين لقوله تعالى (بحبل الله) فقال السدي:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، أما"حبل الله"، فكتاب الله، وقال مجاهد:"بحبل الله"، بعهد الله، وقال عطاء:"بحبل الله"، قال: العهد، وقال الضحاك في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: القرآن، فكل عبارات المفسرين تدل على معنى واحد -وإن تنوعت ألفاظهم- هو التمسك بالوحي المنزل الذي هو كتابه، وعهده، وهو القرآن الكريم، وهناك تفسير أخر بأن حبل الله هو الجماعة، كما جاء ذلك عن ابن مسعود. المصدر السابق.
قال الإمام القرطبي عند هذه الآية: (أوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند