الصفحة 9 من 51

فأما الأول، والثاني، والثالث، فالجواب عنه مستحق [1] إن علم، ما لم يمنع من ذلك عارض [2] معتبر شرعًا، وإلا، فالاعتراف بالعجز.

وأما الرابع، فليس الجواب عنه بمستحق بإطلاق، بل: فيه تفصيل، فيلزم الجواب إذا كان عالمًا بما سئل عنه متعينًا [3] عليه في نازلة واقعة [4] ، أو: في أمر فيه نص [5] شرعي بالنسبة إلى المتعلم، لا مطلقًا، ويكون السائل ممن يحتمل عقله الجواب، ولا يؤدي السؤال إلى تعمق ولا تكلف، وهو مما يبنى عليه عمل شرعي، وأشباه ذلك، وقد لا يلزم الجواب في مواضع، كما إذا لم يتعين عليه، أو: المسألة اجتهادية [6] لا نص فيها للشارع، وقد لا يجوز، كما إذا لم يحتمل [7] عقله الجواب، أو: كان فيه تعمق، أو: أكثر من السؤالات التي هي من جنس الأغاليط، أو: فيه نوع اعتراض ... ) [8] .

وقلت أيضًا في: (الإتحاف) (ص:1037/ 1046) ما نصه: (وقد ذكر العلماء في كتب المصطلح آدابًا لطالب العلم مع شيوخه، ووالديه، وإخوانه، وزوجه، وأبنائه، وأصهاره، وزملائه وأصدقائه، وجيرانه، وغيرها، كما ذكروا آدابًا للشيخ مع طلبته وتلامذته أذكر منها بعضها هنا في هذا السفر:

1 -التملق في الطلب لشيخك:

ونعني بالتملق: التودد والتلطف مع شيخك ومعلمك، وإياك ومجادلته بوقاحة وبقلة أدب وفي مثل هذا

1 -يقول حبر الأمة عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما-: (ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا) [9] .

2 -قال معاذ بن جبل-رضي الله عنه-موقوفًا عليه: (ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم) [10] .

3 -وقال شعبة-رحمه الله تعالى-: (من كانت عنده أربعة أحاديث: فأنا خادمه) [11] .

وقال أيضًا-رحمه الله تعالى-: (كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد) [12] .

4 -قال بعض الحكماء: (من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذم الجهل أبدًا) [13] .

اعلم-أخي طالب العلم-أن للمتعلم في زمان تعلمه تملقًا وتذللًا إن استعمله-الطالب مع أستاذه-غنم وإن تركه ندم.

لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه والتذلل له سبب لإدامة صبره، وبإظهار مكنونه تكون الفائدة وباستدامة صبره يكون الإكثار [14] .

5 -قال ابن جماعة الكناني-رحمه الله تعالى-: ( ... ليعلم طالب العلم أن ذله لشيخه عز، وأن خضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة، وعلى طالب العلم أن ينظر إلى شيخه بعين الإجلال، فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تُذْهِبْ بركة علمه مني) [15] .

6 -وقد ذكر الإمام الشعبي-رحمه الله تعالى-أنه قال: (صلى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء) [16] .

7 -وكان الشافعي آية في الأدب مع شيوخه [17] والتذلل والتملق لهم، حتى عوتب في ذلك، فقال:

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ‍ ... ولن تُكْرِم النفس التي لا تهينها [18]

8 -وذكر النووي أن إمامه الشافعي-رحمهما الله تعالى-قال: (كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رقيقًا هيبة له؛ لئلا يسمع وقعها) [19] .

وصدق من قال:"ازرع تحصد"، مهما تأدبت مع شيخك تأدب معك تلامذتك، (والجزاء من جنس العمل) .

(1) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 372) : (عبر بذلك دون مطلوب شرعًا، لأنه قد لا يكون كذلك، كما يعلم من مراجعة التفاصيل التي ذكرها لهذه الأقسام الثلاثة، أما قوله في الرابع:"فليس بمستحق"، فإنه أراد به لازمًا شرعًا كما يقتضيه قوله:"فيلزم الجواب ....") .

(2) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 372) : (أي: كما أشار إليه بعد بقوله:"وقد لا يجوز".... ) .

(3) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 372) : (قالوا: إن للمفتي رد الفتوى إذا كان في البلد غيره أهلًا لها شرعًا، خلافًا للحليمي) . انظر: (البحر الرائق) (6/ 260) ، و (المجموع) (1/ 45) للحافظ النووي، و (منتهى الإرادات) (4/ 4/57 - بذيل كشاف القناع) ، و (مباحث في أحكام الفتوى) (ص:40) ، و (الفتيا ومناهج الإفتاء) (ص:24) .

(4) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 372) : (لأن الاجتهاد إنما يباح عند الضرورة .... ) .

(5) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 372) : (أي: وإن لم يقع بالفعل) .

(6) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 373) : (ينظر: هل يجب عليه بذل الوسع عند استيفاء الشروط المذكورة وإن لم يصل كما كان مالك يفعل؟ وهو المنقول عن أبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهما، فيحمل عليه كلامه بأن الذي لا يلزمه إنما هو جواب المسألة لأنه قد لا يصل إليه اجتهاده) .

وقد سئل سحنون (المتوفى:240 هـ) -رحمه الله-: (أيسع العالم أن يقول: لا أدري: فيما يدري؟ قال:"أما ما فيه كتاب أو: سنة ثابتة، فلا، وأما ما كان من هذا الرأي، فإنه يسعه ذلك، لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ". ذكره الذهبي في:(السير) (12/ 65) ... ).

(7) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 373) : (قال ابن عقيل:"في هذا تحرم الإجابة، ولعله المراد بقول ابن الجوزي: لا ينبغي"... ) .

(8) -انظر: (الموافقات) (5/ 369/إلى:392) ، تحت عنوان: (النظر الثاني في أحكام السؤال والجواب وهو علم الجدل ... ) ، بتحقيق: مشهور بن حسن، من مطبوعات: دار ابن عفان ..

(9) -وقال الأحنف-رحمه الله تعالى-: ( ... وكل عز لم يؤكَّد بعلم فإلى ذل ... ) انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 256/رقم:309) ، و (الحطة) (ص:38) .

(10) -ولا يصح مرفوعًا انظر: (اللآلئ) (1/ 197) ، و (السلسلة الضعيفة) المجلد الأول (رقم:381) ، و (ضعيف الجامع) (4929 - موضوع) . وقال العامري-رحمه الله تعالى-: في (الجد الحثيث ... ) (ص:141/رقم:559) : (ليس من خلق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم: فإن الحسد مبدأ الحقد، كما بينه صاحب"الإحياء") .

وقال المعلق فواز أحمد: (رواه ابن عدي في"الكامل"(2/ 298) ، و (5/ 10) ، والبيهقي في: (الشعب) (4/ 224/رقم:4863) ، وفي سنده:

1 -الحسن بن دينار-رحمه الله تعالى-: تركه العلماء. انظر: (اللسان) (2/ 203/204) ، و (الكامل) (2/ 296/303) .

2 -الخصيب بن جحدر-رحمه الله تعالى-: صدوق، سيء الحفظ. انظر: (التقريب) (1/ 224) ، و (التهذيب) (3/ 143/144) ، وفي الباب عن أبي هريرة-رضي الله عنه-: رواه البيهقي في: (الشعب) (4/ 224/225) وضعفه البيهقي).

قال المحبوس في سبيل عقيدته ودينه في سجون العلمانيين: (الحسن بن دينار أبو سعيد التميمي.(وهو الحسن بن واصل) : قال عنه المعلمي في: (الفوائد المجموعة ... ) (ص:73) في كتاب: صدقة الفرض والتطوع والهدية والقرض والضيافة:"... الحسن كذبه جماعة من الأئمة، والحجة معهم، فلا اعتداد بقول الفلاس-رحمه الله تعالى-:"ما هو عندي من أهل الكذب، ولكن لم يكن بالحافظ"، ولا قول ابن المبارك:"لا أعلم إلا خيرًا الخ".. وقال في: (ص:221) :"والحسن بن دينار متروك، بل: قال جماعة من الأئمة:"كذاب"، ولم يدرك أبا أمامة ولا أحدًا من الصحابة"). انظر: (النكت الجياد المنتخبة من شيخ النقاد ... ) (ص:275/ 276/رقم:179) ."

(11) -انظر: (الكامل في ضعفاء الرجال) (1/ 75) لابن عدي. وشعبة هذا يقول عنه الثوري: (مات الحديث بموت شعبة) (كوثر المعاني) (1/ 404) .

(12) -أخرجه أبو نعيم (7/ 154) ، وأخرج الخطيب نحوه في: (الجامع) (318/ 319) من طريقين عن شعبة به. انظر: (الجامع) (1/ 512) لابن رجب، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (4/ 73/رقم:89) .

(13) -انظر: (آداب الدين والدنيا) (ص:75) .

(14) -انظر: (آداب الدين والدنيا) (ص:76) .

(15) -انظر: (تذكرة السامع والمتكلم) (ص:87) . ففيه ما يقوم سلوك الطالب المعوج.

(16) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (12\ 571) فقد ذكر الذهبي فيه ما ينبغي أن يكون عليه ويتأدب به الطالب مع أستاذه، وذكر في: (12\ 574) أن الطالب ينبغي أن لا يتحدث مع جليسه في الدرس، بل: يقبل على الدرس.

(17) -فائدة: جاء في: (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:138/رقم:212) في الفصل الثالث: (ألفاظ وعبارات ذات صلة بالجرح والتعديل) ، (الثامن عشر: من تلويحات الأئمة في عباراتهم) ما نصه قال:(سمعت الحافظ علي بن محمد يقول: سمعت الحافظ أبا محمد المنذري يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضل الحافظ عن أربعة تعاصروا؟

فقال: من هم؟ قلت: الحافظ ابن عساكر، والحافظ ابن ناصر.

فقال: ابن عساكر أحفظ. قلت: ابن عساكر، وأبو موسى المديني؟

قال: ابن عساكر. قلت: ابن عساكر، وأبو طاهر السلفي؟

فقال: السلفي شيخنا، السلفي شيخنا.

قلت-القائل: الحافظ الذهبي-: لوَّح بأن ابن عساكر أحفظ، ولكن تأدب مع شيخه، وقال لفظًا محتملًا أيضًا لتفضيل أبي طاهر، والله أعلم). انظر: (سير أعلام النبلاء) (20/ 567/568) .

وقال أيضًا في: (السير) (21/ 25) : (فهذا الجواب محتمل كما ترى، والظاهر أنه أراد بالسلفي المبتدأ، وبشيخنا الخبر، ولم يقصد الوصف، وإلا فلا يشك عارف بالحديث أن أبا القاسم حافظ زمانه، وأنه لم يَر مثل نفسه) .

وقال أيضًا في: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (40/ 81) : (يعني: أنه ما أحب أن يصرح بأن ابن عساكر أفضل من السِّلَفي، ولوَّح بأنه شيخه، ويكفي هذا في الإشارة) . انتهى من هامش: (شفاء التبريح ... ) (ص:467) .

(18) -انظر: (فضل العلم) (129/ 130) لمحمد سعيد رسلان.

وذكر الذهبي في ترجمة إسرائيل بن يونس أنه قال: ( ... لقيت العلماء وأخذت من آدابهم) . ثم ذكر كلامًا طويلًا يتعلق بأدب الطالب مع شيخه. انظره في: (تاريخ الإسلام) (4/ 308/رقم:21) .

(19) -انظر: (المجموع) (1/ 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت