الصفحة 8 من 51

وضده، ولا يعرفون ما في ذلك عليهم، قد شغلوا أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار فألسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد خلت من الفهم، غاية أحدهم معرفة الكتب الغرِيبة والاسم الغريب أو: الحديث المنكر، وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحدًا جهله من علم صلاته وحجه وصيامه وزكاته.

2 -وطائفة هي في الجهل كتلك أو: أشد، لم يعنوا بحفظ سنة ولا الوقوف على معانيها ولا بأصل من القرآن ولا اعتنوا بكتاب الله جل وعز فحفظوا تنزيله، ولا عرفوا ما للعلماء في تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا لا في حلاله ولا حرامه، قد اطرحوا علم السنن والآثار وزهدوا فيهما وأضربوا عنها، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف-بل: عوَّلوا على حفظ ما دُوِّنَ لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان-وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه ويودون أن حظهم السلامة منه).

قال الإمام ابن عبد البر-رحمه الله تعالى-:(طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف-رحمهم الله-، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضل، ومن تعداه مجتهدًا زل.

فأول العلم: حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، ولا أقول: إن حفظه كله فرض، ولكني أقول: إن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالمًا فقيهًا ناصبًا نفسه للعلم ليس من باب الفرض) [1] .

وقال البغوي-رحمه الله تعالى-:(لأني رأيت أعلام الدين عادت إلى الدروس وغلب على أهل الزمان هوى النفوس فلم يبق من الدين إلا الاسم ولا من العلم إلا الرسم، حتى تُصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق والجهل بصورة العلم-وظهر فيهم تحقيق قول الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [2] .

ولما كان الأمر على ما وصفته لك، أردت أن أجدد لأمر العلم ذكرًا، لعله ينشط فيه راغب متنبه، أو: ينبعث له واقف متثبط، فأكون كمن يسعى لإيقاد سراج في ظلمة مطبقة فيهدي به متحيرًا ويقع على الطريق مسترشدًا، فلا يخيب من الساعي سعيه، ولا يضيع حظه) [3] .

قال العلامة الأصولي الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي-رحمه الله تعالى-: (المسألة الأولى: إن السؤال أن يقع من عالم أو: غير العالم المقلد، وعلى كلا التقديرين، إما أن يكون المسئول عالمًا أو: غير عالم، فهذه أربعة أقسام:

1 -الأول: سؤال العالم للعالم، وذلك في المشروع [4] يقع على وجوه، كتحقيق ما حصَّل، أو: رفع إشكال عنَّ له، وتذكر ما خشي عليه النسيان، أو: تنبيه المسئول على خطأ يورده مورد الاستفادة، أو: نيابة منه عن الحاضرين من المتعلمين، أو: تحصيل ما عسى أن يكون فاته من العلم [5] .

2 -والثاني: سؤال المتعلم لمثله، وذلك أيضًا يكون على وجوه، كمذاكرته له بما سمع، أو: طلبه منه ما لم يسمع مما سمعه المسئول قبل لقاء العالم، أو: التهدي بعقله إلى فهم ما ألقاه العالم.

3 -والثالث: سؤال العالم للمتعلم، وهو على وجوه كذلك، كتنبيهه على موضع إشكال يطلب رفعه، أو: اختيار عقله أين بلغ، والاستعانة بفهمه إن كان لفهمه فضل، أو: تنبيهه [6] على ما علم ليستدل به على ما لم يعلم.

4 -والرابع: وهو الأصل الأول، سؤال المتعلم للعالم، وهو يرجع إلى طلب علم [7] ما لم يعلم.

(1) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (2\ 1129) .

(2) -رواه البخاري ومسلم في: (صحيحيهما) ، وأحمد في: (مسنده) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو-كما تقدم-

(3) -انظر: (شرح السنة) (1/ 3/4) للبغوي.

(4) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 371) : (أي: وأما غير المشروع، فهو أن يسأله عن حكم حادثة نزلت به مثلًا مما يجب عليه أن يرجع فيه إلى اجتهاد نفسه، بحيث لا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر، والوجوه الستة التي ذكرها خارجة عن موضوع التقليد الممنوع) .

(5) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 371) : (أي: مما لم يكن عن اجتهاد، بل: كتلقي حديث أو: بحث في رواية وما أشبه ذلك) .

(6) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 371) : (وهذه الكلمة القصيرة تضمنت أهم أركان فن التربية العلمية المسمى بالبيداغوجيا، وهو بناء المعلم تعليم تلميذه شيئًا جديدًا على ما تعلمه قبل، فقد كان نتيجة لمقدمات، ثم يصير بعد علمه به مقدمة لمسألة جديدة، وهكذا) .

(7) -وفي هامش: (الموافقات) (5/ 372) : (ويشترك معه فيه بعض وجوه القسم الأول والثاني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت