فحدث عن أبي أَسيد، وعبد الله ابن أخي أبي زرعة، وابن الجارود، بعد أن سُمع منه أن له عنهم إجازة، وتخبط في:"أماليه"، ونسب إلى جماعة أقوالًا في المعتقدات لم يُعرَفوا بها، نسأل الله السَّتر والصيانة.
قلت: إي والله، نسأل الله السَّتر وترك الهوى والعصبية، وسيأتي في ترجمة أبي نعيم شيء من تضعيفه، فليس ذلك موجبًا لضعفه، ولا قوله موجبًا لضعف ابن منده، ولو سمعنا كلام الأقران بعضهم في بعض لاتَّسع الخرق) [1] .
وقال الإمام الهمام شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-بعد كلام طويل مفيد يحمل توجيهات رائعة، وتنبيهات نادرة ...: (لا يجوز تكفير كل من خالف السنة، فليس كل مخطئٍ كافرًا، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة) [2] .
قال الشيخ المجدد المحدث محمد ناصر الدين الألباني-رحمه الله تعالى-: (يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه، فإن الإيمان بذلك واجب، وجحدها كفر، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت لهم إلا من أقيمت عليه الحجة وعاند) [3] .
ثم قال شيخنا العلامة أبو الفضل-بعد أن ذكر هذه الضوابط والقواعد-: (ولا سيما إن كان الخطأ في بعض المسائل الدقيقة في العقيدة فهي لا توجب التضليل والتبديع بلْهَ التكفير، فإذًا لا بد من التبين والتثبت-إلى أن قال-: ولا بد من لزوم حمل الكلام على أحسن محامله، ما دام يحتمل ذلك، ومن إحسان الظن بالمسلمين، ولا بد أن نعلم بأن المسلم يوزن بحسناته وسيئاته، وأن العبرة بكثرة الصواب والمحاسن، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
ومن القواعد المقررة في هذا: (العدل في صف الآخرين) يعني: ينبغي أن يكون العدل في ذكر المساوئ والمحاسن، والموازنة بينهما، فمن غلب خيره شره اغتفر له ذلك.
فلا أحد يسلم من الخطأ، و (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) [4] .
فلا ينبغي أن تدفن محاسن المرء لخطأ صدر منه، كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث [5] .
والتعامل مع الإخوة ينبغي أن يكون كما قلت وبينتُ لكم في هذين البيتين:
أَحْسِنْ بِإِخْوَتِك الظنون فإنهم ... بَشَرٌ ضِعَافٌ مِثل بِضْعِ شِيَاهِ
نَذَرُوا النُّفُوسَ إلى الجهاد وأخلَصوا ... لِله أعمالًا بِرَغْمِ دواهِي
وأقول في الجواب على هذا السؤال لكم جناب الأستاذ المحترم: عرف السجن إما أن يكون مصادمًا أو: موافقًا للشرع، والمصادم فرغ منه لا يحتاج إلى جواب، لأنه من باب: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وإن كان غير مصادم فهو من باب: (المعروف عرفًا، كالمشروط شرطًا) ، و (العادة محكمة) ، وقد بينت هذه القاعدة في شرحي لمنظومتي [6] المسماة: (شوارد الأنس في القواعد الفقهية الخمس) وهذا نص المنظومة:
إلهي لك الحمدُ الكثير على النِّعَمْ ... ففضلك لا يُحصي على العُرب والعُجْمِ
فقد جاءني فتحٌ لأنظمَ دُرَّةً ... تَشِفُّ بحسنٍ عن مقاصِدِها [7] العُظْمِ
مُجَودة الإنشاءِ قلَّ نظيرُها ... تَلَذُّ لِضَمٍّ إن يشا الصّبُّ أوِ: الشَّمّ
(1) -انظر: (تاريخ دمشق) (52/ 29/34) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (8/ 758/رقم:170 - ترجمة: محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 66) .
(2) -انظر: (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية (16/ 434) .
(3) -انظر: (السلسلة الصحيحة) (7/القسم الأول/114) .
(4) -رواه أحمد في: (مسنده) (3/ 198) ، والترمذي في: (جامعه) (4/ 659) ، وابن ماجه في: (سننه) (2/ 1420) ، وصححه الألباني في: (صحاح السنن) ، و (صحيح الجامع) (رقم:4515)
(5) -رواه أبو داود في: (سننه) كتاب الطهارة، باب: (33/ 34) ، والترمذي في: (جامعه) (67) ، والنسائي في: (سننه) كتاب الطهارة، باب: (44) ، وابن ماجه (518) ، والدارمي في: (سننه) (رقم:737/ 738) ، والحاكم في: (المستدرك) (1/ 133) ، وابن حبان (2/ 274/275) ، والدارقطني (1/ 21/22) ، وقد أفاض ابن القيم في دراسته في تعليقه على (سنن أبي داود) ، (1/ 106/125 - عون المعبود) ، والألباني في: (صحاح السنن) ، و (إرواء الغليل) (1/ 60/رقم:23) ، والصنعاني في: (سبل السلام) (ص:18) . انتهى من مقدمة أم الفضل-حفظها الله-لكتابي: (كيف نطلب العلم؟) (ص:30/ 41) .
(6) -هذه المنظومة درَّستها وشرحتها للإخوة المحكومين بالمؤبد-بالخصوص-النازلين بالسجن المركزي بالقنيطرة-عبر الهاتف-تم ذلك في: (15 - حلقة) ، استغرقت كل حلقة ساعتين، فيكون المجموع ثلاثين ساعة، وقام الإخوة بتفريغها في أكثر من مائة صفحة بخط مغربي دقيق، وفي نيتهم تقديمها للمطبعة بعد أن أطلع عليها-إن شاء الله تعالى-.
(7) -قال الشاعر المصقع أبو أحمد محمد الزهيري، في عجز هذا البيت:
تشف بحسنٍ عن مقاصِدِها العظم).
(أقترح للعجز:
تشف بحسنٍ عن مقصدها العظم).
واقتراحه مقبول-جزاه الله خيرًا.