الصفحة 22 من 51

قصده الحمية لنفسه وطائفته، أو: الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو: فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو: لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة؟ ‍

وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وكفَّر بعضهم بعضًا، وفسق بعضهم بعضًا، ولهذا قال الله تعالى فيهم: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) [1] .

وقال تلميذه العلامة ابن القيم [2] -رحمه الله تعالى-:(وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق وغايته النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين ... وإن جعل الحق تبعًا للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق ... قال تعالى:"ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن" [3] .

فالعلم والعدل أصل كل خير والظلم والجهل أصل كل شر والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم فقال:"فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم". الآية) [4] .

وكان من سلفنا الصالح من يقول: (احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا قد أعمته دنياه) .

ومن أجمل ما قاله الإمام العلم ابن ناصر الدين الدمشقي-رحمه الله تعالى-: (هيهات هيهات .. إن في مجال الكلام في الرجال عقبات .. مرتقيها على خطر ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم ولا وزَر فلو حاسب نفسه الرامي أخاه: ما السبب الذي هاج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك) [5] .

ورحم الله من قال:

وكل امرئٍ يدري مواقع رشده ‍ ... ولكنه أعمى أسير هواه

يشير عليه الناصحون بجهدهم ‍ ... فيأبى قبول النصح وهو يراه

هوى نفسه يعميه عن قصد رشده ‍ ... ويبصرُ عن فهمٍ عيوبَ سواه

وقال تلميذه الحافظ المؤرخ الذهبي-رحمه الله تعالى-في ترجمة: أبي جعفر الباقر-رحمه الله تعالى-: (ولقد كان أبو جعفر إمامًا مجتهدًا، تاليًا لكتاب الله، كبير الشأن، لكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه، ولا في الفقه درجة أبي الزناد وربيعة، ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة قتادة، وابن شهاب، فلا نحابيه، ولا نحيف عليه، ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال) [6] .

وهناك قواعد أخرى عامة لمن يبلغه جرح في غيره:

القاعدة الأولى: (النظر في حال الجارح) .

القاعدة الثانية: (التثبت من الأخبار) .

القاعدة الثالثة: (رد الغيبة على المغتاب، ويبين له أن ذكر الناس داء وذكر الله دواء) .

القاعدة الرابعة: (كلام الأقران بعضهم في بعض لا يقبل إن كان بدون دليل مقبول، بل: يطوى ولا يروى) [7] .

قال الحافظ ابن الذهبي-رحمه الله تعالى-: (قلت: وكان أبو نعيم كثير الحط على ابن منده، لمكان المعتقد واختلافهما في المذهب، فقال في:"تاريخه" [8] : ابن منده، حافظ من أولاد المحدثين، توفي في سلخ ذي القَعدة، واختلط في آخر عمره،

(1) -سورة البينة، رقم الآية: (5) . انظر: (منهاج السنة النبوية) (5/ 254/256) ، و (منهج أهل السنة والجماعة في النقد ... ) (ص:39/ 42) للأستاذ: هشام بن إسماعيل، و (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 102) .

(2) -انظر: (مدارج السالكين) (3/ 522/523) .

(3) -سورة المؤمنون، الآية رقم: (71) .

(4) -سورة الشورى، الآية رقم: (15) .

(5) -انظر: (الرد الوافر ... ) (ص:13) .

(6) -انظر: (السير) (4/ 402) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 112) .

(7) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (8/ 758/رقم:170 - ترجمة: محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده) . انتهى من (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 66) ، و (منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين) (ص:55/ 64) .

وقال الذهبي في: (السير) (5/ 275) في ترجمة: (قتادة بن دعامة السدوسي) -بعد أن ذكر قول قتادة في يحيى بن أبي كثير: (متى كان العلم في السماكين) ، وقول يحيى في قتادة: (لا يزال أهل البصرة بشر ما كان فيهم قتادة) فعلق عليه ابن الذهبي بقوله: (كلام الأقران يُطوى ولا يُروى، فإن ذُكر تأمله المحدث، فإن وجد له متابعًا، وإلا أعرض عنه) . انظر: (ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي) (2/ 658) .

(8) -اسمه: (تاريخ أصبهان) (2/ 306) ، انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (8/ 758/رقم:170 - ترجمة: محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت