الصفحة 21 من 51

والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضى غيرها.

ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته أو: شيخه [1] ، وكذلك الأنساب والقبائل والمدن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى:

وهو أنه يشهد حظه ونفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها، لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته، والله الموفق) [2] .

7 -القاعدة السابعة: (المنهج الصحيح في الحب والبغض فيمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (وإنه كثير ما يجتمع في الفعل الواحد، أو: في الشخص الواحد الأمران: فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية الفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية، فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائمًا بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان) [3] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا-رحمه الله تعالى-: (ولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه، ويعذب ويبغض من وجه آخر) [4] .

وقال في موضع آخر: (فإن الإنسان عليه أولًا أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور، أو: إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته، وتنقيص غيره، كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطًا، ثم إذا رد عليه ذلك وأوذي أو: نسب إلى أنه مخطئ وغرضه فاسد، طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي.

وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو: رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل: يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه.

ويرضون عمن يوافقهم، وإن كان جاهلًا سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء نفوسهم لا على دين الله ورسوله ...

وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله.

وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل: يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه.

ويكون مع ذلك له شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الدين المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل:

(1) -وإليكم بعض الصور من الغلو في الشيوخ: قال الشيخ سليمان بن يوسف بن مفلح-أحد أعلام الشافعية-عن نفسه: (كنت إذا سمعت شخصًا يقول:"أخطأ النووي"، اعتقدت أنه كفر) (الدرر الكامنة) (2/ 261) .

وقال محمد بن الحسين السُّلمي: (من قال لشيخه: لِمَ؟ لم يفلح) . كما في (الفرق بين النصيحة والتعيير) (ص:101) .

وقال الذهبي في: (تاريخه) (8/ 310) : (من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح) ، ومرة قال في: (9/ 210) : (من قال للأستاذ لم؟ لا يفلح أبدًا) .

ومن الغلو قولهم: (نظرة عندنا من أحمد بن حنبل، تعدل عبادة سنة) ، وقال بعضهم: (عندنا بخراسان يظنون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة) .

(2) -انظر: (بدائع الفوائد) (3/ 161/164) ، و (منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين) (ص:17/ 38) .

(3) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (4/ 204/رقم:340) .

(4) -انظر: (مجموع الفتاوى) (15/ 294) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت