الصفحة 20 من 51

ولذلك ينبغي أن يكون التفضيل بين الأشخاص قائمًا على العدل والإنصاف لا على الهوى [1] والتعصب، وفي مثل هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق) [2] .

وقال تلميذه العلامة المحقق ابن القيم-رحمه الله تعالى-: (الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة، أو: فاطمة أفضل، إذا حرر محل التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون(التفصيل) لا يستقيم.

فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة.

وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم، فلا ريب أن عائشة-رضي الله عنها-أعلم وأنفع للأمة، وأدت للأمة من العلم ما لم يؤد غيرها، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها.

وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل، لأنها بضعة من النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير إخوتها.

وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة. وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن بينهما، فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل فأجاب فيها بالتفصيل الشافي:

فمنها: أنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر أو: العكس، فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلهما أتقاهما لله، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة.

ومنها: أنه سئل عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين-رضي الله عنهما- أيهما أفضل؟ فأجاب بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها.

فتأمل هذا الجواب الذي لو جئت بغيره من التفضيل مطلقًا لم تخلص من المعارضة .. فعلى المتكلم في هذا الباب:

1 -أن يعرف أسباب الفضل أولًا.

2 -ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينهما ثانيًا.

3 -ثم نسبتها إلى من قامت به-ثالثًا-كثرة وقوة.

4 -ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعًا.

فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالًا لغيره، بل: كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا.

فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل.

وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى والغرض. وههنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصَّره الله: وهي أن كثيرًا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد، ثم يأخذ في تقريظه [3] وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل،

(1) -الهوى: ميل القلب إلى ما يستلذ به. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.

(2) -انظر: (منهاج السنة النبوية) (4/ 543) .

(3) -التقريظ: مدح الإنسان وهو حي بحق أو: بباطل. (القاموس) (ص:628 - طبعة كاملة في مجلد واحد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت