وبعد هذه الجولة المختصرة والمحتشمة أقف برهة من الزمن مع نظم الناظم، وسؤال السائل ليكون الجواب مطابقًا للسؤال، ويكون الجواب ذكرًا كالسؤال، وتحفة للسائل والمجيب، وروضة للحاضر والغائب، وجُنة للمقيم والغريب، وتذكرة مفيدة للسائل النجيب، ومنحة في فهم السنة والكتاب، وبابًا للصديق الصادق الأديب، وهديةً للكاتب الأريب، والأردني الحبيب أقول-في هذه الموازنة والمساجلة التي خرجت من بين فرث ودم-ملخصًا فيها أسئلة الشيخ الشاب الأردني الحبيب-فرج الله عنا وعنه-في هذه الأبيات إلى أن أجد وقتًا لأجيبه بتفصيل وتحصيل وتدقيق وتأصيل-إن شاء الله تعالى-ونظم أفضل وأوسع وأطول:
إني وجدتُّ العلمَ نبعًا يُجْتَبَى ... مِنْهُ الرَّشَادُ على الطريقِ الْباهي
والجهلَ ظُلْماتٍ هُنالك أُطْبِقَتْ ... قد ضَلَّ فيها عاقلٌ واللاَّهِي
فاربَا بِنفسِكَ أنْ تَصِيرَ مُفَرِّطًا ... أو: مُفْرِطًا فِي عالَمِ الأشباهِ
الْبَيْعَ فَلْتَرْبَحْ ولا تَكُ مُفْلِسًا ... يَوْمَ اللِّقاءِ كفَاغِرِي الأَفْواه
وهل هناك مصلحة راجحة بهروب سجين مسلم في حين تكون مفسدة على باقي السجناء من تضييق ومنع كثير من الامتيازات، وربما يؤثر هذا الهروب على زيارة الأهل لسجنائهم، وعلى حد تعبيرهم قد يكون انقطاع الأهل عن الزيارة فتنة للأهل وذويهم من السجناء ... أفيدونا في حساب المصالح والمفاسد الشرعية حفظكم الله تعالى.
وأقول في الجواب على السؤال الأول: إن هذه المسألة تخضع للمصالح والمفاسد، ولا يخفى عليكم ما قيل في استعانة المخلوق بالمخلوق، كاستعانة السجين بالسجين-فيما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي عبد الله القرشي-لو يسعى الإخوة بإخراج إخوانهم بطرق متحضرة لا تؤدي إلى التضييق على إخوانهم وعائلاتهم، وليأخذوا العبرة بتجربتنا في النضالات الكثيرة التي اتبعناها داخل السجون المغربية ومن آخرها الصعود إلى السطوح [1] ، فقد أتت أكلها، وقد قلت في الجواب على هذا السؤال ما نصه:
إن الأسيرَ إذا أتى مُستنقِذًا ... أَسِرًا سِوَاهُ بِعَزْمَةٍ وَبَدَاهِ
إنْ كان في هذا مصالحُ رُجَّح ... لِكِلَيْهِما لا بأس دون كَرَاهِ
وإذَا تَرَتَّبَ عنه مَفْسَدَةٌ فلا ... فَاحْذَرْ مَخاطِرَ إنَّنِي لك ناهِي
السؤال الثاني: ما التوفيق بين ما يجده أحدهم من انعدام الثقة بأخ له بناء على تجربة سابقة وبين واجب إحسان الظن بالمسلمين وخاصة أهل الجهاد؟ ولو تتفضل علينا بنصيحة عملية رعاك الله تعالى.
وأقول في الجواب على هذا السؤال: إن ما ذكرت من قلة الأدب من بعض الإخوة هي مشكلة المشاكل، ومع ذلك أخي الفاضل: حسن الظن هو المطلوب مع الإخوة، سدد يا شيخ أبا يوسف وقارب، وأنصحك بما كنت قد قلت في قصيدة طويلة أذم بها القاضي الظالم: (لحسن الطلفي) الذي حكم علينا بظلم وجور وإملاءات وتعليمات المخابرات، تحت عنوان: (مَكْرُ العِدى أضحى رمادًا في الهوا) :
طَلْفيُّ بِدْعٌ في القضاء الأعجبِ ... طلفيُّ عارٌ في جبين المغربِ
طَلْفيُّ ذئبٌ صال في زيِّ القضا ... قد باع دينًا بئس ما قد عُوِّضا!
(1) -على أنني لم أوافق الإخوة على بعض التصرفات التي لم تكن مقيدة بالشرع، وهي رمي الإخوة أنفسهم من فوق السطوح، والإقدام على إضرام النار في أنفسهم، ولو فعلوا لكانوا منتحرين بلا خلاف، ولا يلتفت إلى ما كونوا يستدلون به: (من قتل دون عرضه فهو شهيد) فالنص صحيح والفهم قبيح، والحديث ليس فيه من قَتَل نفسه دون ماله فهو شهيد، ثم من أفتاهم بذلك ليس من أهل العلم، ولا يفقه شيئًا عن المصالح والمفاسد، وقد اتصل علي الإخوة يسألون فأجابتهم بعدم الجواز، وقد سألت فضيلة شيخنا العلامة الأديب سيدي محمد بوخبزة للاستنارة برأيه في المسألة فأجاب-حفظه الله تعالى-بعد البسملة والحمدلة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه-بقوله:(جناب الأخ الكريم المفضال الأستاذ النفاعة أبو الفضل السيد عمر بن مسعود الحدوشي دام سعده ....:
وقد سمعتُ ما جعلني أتفاءل بقرب الفرج إن شاء الله تعالى وأشْجُب ما نُقل عن الإخوة ألهَمَهم الله الصبر والثبات من إقدامهم على المحرَّم المكروه الذي لو تم-لا قدَّر الله-لَذَهَب كل شيء، وحُرِمُوا الأجر والثواب وطيب الأُحْدوثة، فبَلِّغْ إخوتي تحياتي وتحياتي ودعَوَاتي وقُبُلاتي ورجائي تفضلهم بالدعاء لي فإني ممتحن فقير إلى فضل الدعاء يَا عُمَرَ الْخَيْرِ يَا حَبِيبِي * أَبْشِرْ بِيَوْمٍ يَاتِيكَ أَسْعَدْ
يجتمع الشملُ بالأحبَّهْ * وينعَم القلبُ بل: ويَشْهَد:
عنايةَ الله بالموالِي * تُفضي بهم للعُلى وأمجَدْ
فأكثرِ الحمدَ لِلمزيدِ * وواصِلِ الشكرَ كي تُمجَّدْ
وأجدد لك شكري على أبياتك التي لم أستطع موازنتها ... ختامًا أرجو أخي أبا الفضل، أن يبالغ في الدعاء لي فإنني جد مريض والله المستعان، وإلى اللقاء بحول الله والسلام. تطوان في:6 - جمادى الأولى 1432 هـ من مجلكم: أبي أويس)
وقلت في مساجلة شيخنا العلامة الأديب، والفهامة الأريب أبي أويس-حفظه الله تعالى-:
مَواكبُ النُّورِ قد أطَلَّتْ * والليل من ثوبه تَجَرَّدْ
سَيُصبِحُ الكونُ بعدُ أبهى * فأَلْسُنُ الْخَلْقِ إِيهِ تَشْهَدْ
لاَ تَبْتَئِسْ صَاحِ أو: تُفَكِّرْ * واحْملْ فُؤَادَ مُلْهَمٍ مُسَدَّدْ
غَدًا إنْ شَاءَ ربُّ الورى * قصيدُ فرحة سوف يُنشد
فَلْتَسْمُ فِيكَ يَا رفيقِي * مَا جَرَى الذِّكر عزمٌ مُحَدَّدْ
فيَرقُصُ العالمون طُرًّا * على إيقاعِه ما تَرَدَّدْ
وَلْتَكُنْ باللهِ في وُثُوقِ * فَهْوَ مِنْ عَدَمٍ لكَ أوْجَدْ
قاله تلميذه الداعي له بالشفاء وحسن الخاتمة أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي بزنزانته الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان17 - جمادى الأولى 1432 هـ).