الصفحة 15 من 51

واستحضر-أيها الطالب-نصب عينيك وأنت تجتهد في طلب العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة الصحيحة، بعد أن تحصل علوم الآلة، من نحو، وصرف، وبلاغة، ووضع ومناظرة، وفقه، وأصوله، وتفسير، وقواعده وأسبابه، وحديث وشرحها وسببها [1] :

1 -قول سيدنا الحبيب محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) [2] .

2 -وقول نبينا وحبينا محمد-عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-: (أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن) [3] .

3 --وقوله-عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-: (بعثت لأتمم مكارم-أو: صالح-الأخلاق) [4] .

4 -قال أسامة حب حب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: قلنا يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ فقال: (خلق حسن) [5] . ونحوها من النصوص الصحيحة التي تحث على مكارم الأخلاق.

قالت أم الفضل في كتابها: (للنساء فقط) (ص:772) : (فالأدب مع العلماء هو لب وروح العلم، وقديمًا قيل:(اجعل أدبك دقيقًا وعلمك ملحًا) ، أي: ينبغي أن يكون أدبك أكثر من علمك، وليس العكس. حتى تنتفع به وينتفع بك الناس [6] .

وقال سيدنا عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-: ( ..."تأدبوا ثم تعلموا"، وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-:"اطلب الأدب فإنه زيادة في العقل، ودليل على المروءة، ومؤنس في الوحدة، وصاحب في الغربة، ومال عند القلة" [7] . وقال أبو عبد الله البلخي-رحمه الله تعالى-:"أدب العلم أكثر من العلم"، وقال الإمام عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-:"لا يَنبُل الرجل بنوع من العلم ما لم يزين علمه بالأدب"، وقال أيضًا-رحمه الله تعالى-:(طلبت العلم فأصبت منه شيئًا، وطلبت الأدب فإذا أهله قد بادوا) .

وقال بعض الحكماء:"لا أدب إلا بعقل ولا عقل إلا بأدب"، وكان يقال:"العون لمن لا عون له الأدب"، وقال الأحنف ابن قيس-رحمه الله تعالى-:"الأدب نور العقل كما أن النار نور البصر".

وقال الحجاوي:"يقال: مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمس حصون، الأول من ذهب، والثاني من فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجُر، والخامس من لَبِن، فما زال أهل الحصن متعاهدين حصن اللبن لا يطمع العدو في الثاني فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني، ثم الثالث، حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمس حصون: اليقين، ثم الإخلاص، ثم أداء الفرائض، ثم السنن، ثم حفظ الآدب، فما دام يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه وإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن ثم في الفرائض، ثم في الإخلاص، ثم في اليقين") [8] .

قال جامعه المسجون في سبيل عقيدته في سجون الظالمين عمر بن مسعود الحدوشي-في واجب التأدب مع الشيخ-من الخفيف:

أيها الطالب المُجِدّْ سَلاَمَا ‍ ... لك من ناصحٍ يَصُونُ الذِّمَاما

الْزَمَنْ مَعْ شَيْخِكَ طِيبَ سُلُوكٍ ‍ ... تَغْنَمِ النُّجْحَ بَلْ: تَسُودُ الأنَامَا

واجْعَلَنْ عِلْمَكَ مِلْحًا ودقيقًا ‍ ... تلكُمُ الآدابَ تُحاكي طعامَا

قِلَّةُ العِلْمِ صَاحِبي معْ كثير ‍ ... من أدبْ طِلْبَةٌ لمن يَتَسَامَا [9]

لك أُذْنَانِ وَلِسَانٌ وحيدٌ ‍ ... فاسْمَعَنْ شَتَّى وانطِقَنْ لِمَامَا [10]

(1) -قال الحافظ ابن حجر في: (فتح الباري) (1/ 141) : (والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته وما يجب من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص. ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه) .

والحاصل: أن العلم الممدوح في الكتاب والسنة: هو العلم المنزل من السماء إلى الأرض، العلم الموحَى من الله تعالى إلى نبيه المصطفى وحبيبه المجتبى من الكتاب والسنة-مطلقًا-وما تفرع عنهما من العلوم الشرعية المرغَّب فيها، والممدوحة بإطلاق. انظر أمثلة العلوم الممدوحة بإطلاق، والممدوحة في حال دون حال، والمذمومة بإطلاق، والمذمومة في حال دون حال في كتاب: (الجامع في طلب العلم الشريف) (1/ 15) مع أخذ الحذر والحيطة مما فيه من الغلو والتنطع.

(2) -رواه الترمذي في: (جامعه) (4/ 363) بإسناد صحيح-وصححه الألباني وغيره-.

(3) -رواه الترمذي في: (جامعه) (4/ 363) بإسناد صحيح-وصححه الألباني وغيره-.

(4) -رواه مالك في: (الموطأ) (رقم:1634) ، وأحمد في: (المسند) (2/ 381) ، والبخاري في: (الأدب المفرد) (1\ 271\رقم:274) ، والحاكم في: (المستدرك) (2\ 613) ، وقال: (صحيح على شرط مسلم) ، وسكت عليه الذهبي-وصححه الألباني في: (الصحيحة) (1/ 112/رقم:45) ، وقد توسعت في تخريجه في كتابي: (الأربعون حديثًا في فضل السنة) (ص:31\ 32\رقم:11) .

وقال فضل الله الجيلاني في: (فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد) (1\ 271) : (لا يكون دينًا من(الأديان!) خاليًا من مكارم الأخلاق، ولكن لم تكن الأخلاق الكريمة مجموعة كلها في دين من (الأديان) السابقة حتى جمع الله في دين الإسلام كل ما كان من أخلاق حسنة في دين دين!، فهذا معنى: (أتمم مكارم الأخلاق) .. أي: أبلغ نهايتها).

وقال الحافظ ابن عبد البر في: (التمهيد) (24/ 334) ، وعنه السيوطي في: (تنوير الحوالك) (3/ 97) : (وهذا حديث مدني صحيح، ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله، والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل، فبذلك بعث ليتمّمه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-) .

(5) -رواه ابن ماجه في (سننه) (2/ 1137) بإسناد صحيح.-وصححه الألباني وغيره-.

(6) -أوصى عيسى بن دينار عبد الله بن حبيب في رحلته لطلب العلم، فقال:"إذا أصبت عالمًا، فلا تُظهر له مع علمه علمًا، فيحرمك ما عنده". انظر: (ترتيب المدارك) (2/ 39) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:230) .

(7) -رواه الأصبهاني في: (منتخبه) . انظر: (تهذيب غذاء الألباب، شرح منظومة الأدب) (ص:28) .

(8) -انظر: (تهذيب غذاء الألباب، شرح منظومة الأدب) (ص:28/ 29) .

(9) -قال الشاعر المفلق أبو أحمد محمد الزهيري-حفظه الله-بعد أن قرأ هذه القصيدة ما نصه:(القصيدة الخامسة والثمانون:

واجْعَلَنْ عِلْمَكَ مِلْحًا ودقيقًا ** تلكُمُ الآدابَ تُحاكي طعامَا

قلت:

واجعلن علمك ملحاُ وخبزًا ** تلكم الآداب تحكي الطعاما

والله أعلم

قِلَّةُ العِلْمِ صَاحِبي معْ كثير ** من أدبْ طِلْبَةٌ لمن يَتَسَامَا

قلت للعجز:

من أدب طلبةٍ لمن يتسامى).

(10) -وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى-في: (فتح الباري) (5/ 352) في فوائد قصة الحديبية: (وفي الحديث: أن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال، بل: عليه التسليم؛ لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالبًا بكثرة التجربة، ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي) .

ولذلك ندم عمر على مراجعته رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يومئذ، وقال:"فعملت لذلك أعمالًا"، وقال أيضًا:"ما زلت أصوم، وأتصدق، وأصلي، وأعتق، من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا". كما في: (مسند الإمام) (4/ 325) .

وقال سهل بن حنيف-رضي الله عنه-:"يا أيها الناس اتهموا رأيكم، فإنا كنا يومَ أبي جندل ولو نستطيع أن نرد أمر رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لرددناه". (رواه البخاري، رقم:7308) ، وقال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-:"سلِّموا للأئمة، ولا تجادلوهم". كما في: (الميزان) (1/ 51) للشعراني، وقال سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-:"التسليم للفقهاء سلامة في الدين". كما في: (الجواهر المضيئة) للقرشي (1/ 166) .

التسليم للعالم وترك الاعتراض عليه ليس على إطلاقه، لأنه ليس معصومًا، وإنما المقصود التسليم له في موضع الاجتهاد والاحتمال، بل: الأمر فيه كما قال ابن حزم في: (مداواة النفوس-مجموع رسائل ابن حزم) (ص:411) : (إذا حضرت مجلس علم، فلا يكن حضورك إلا حضورَ مستفيد، مستزيد علمًا وأجرًا، لا حضورَ مستغنٍ بما عندك، طالبًا عثرةً تُشنعها أو: غريبة تشيِّعها، فهذه أفعال الأراذل الذين لا يفلحون في العلم أبدًا) .

وقال العلامة بكر أبو زيد-رحمه الله تعالى-في: (حلية طالب العلم) (ص:58) : (إذا ظفرتَ بوهم لعالم فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط، وأوهام، لا سيما المكثرين منهم. وما يشغب بهذا، ويفرح به للتنقص إلا متعالم"يريد أن يُطِبَّ زُكامًا، فيُحدثُ به جُذامًا". نعم ينبه على خطإ، أو: وهم وقع لإمام غُمِر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه، والحط عليه، فيغتر به من هو مثله) . انظر هامش: (حرمة أهل العلم) (ص:231/ 232) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت