10 -وقال الخطيب أيضًا: (ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق القوم باستعمال آثار رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [1] .
وقال ابن جماعة-رحمه الله-: (ولا يقرأ عند شغل قلب الشيخ أو: ملله، أو: غمه، أو: غضبه، أو: جوعه، أو: عطشه، أو: نعاسه، أو: استيفازه، أو: تعبه) [2] .
وقال الشهرزوري: (ولا يسأله وهو قائم، أو: مستوفز، وعلى حالة ضجر، أو: هم به، أو: غير ذلك مما يشغل القلب) [3] .
وقال الخطيب البغدادي-رحمه الله تعالى-: (وإن رآه في همٍّ قد عرض له، أو: أمر يحول بينه وبين لُبِّه، ويصده عن استيفاء ذكره، أمسك عنه، حتى إذا زال ذلك العارض، وعاد إلى المألوف من سكون القلب، وطيب النفس، فحينئذ يسأله ... ) [4] .
وعن قتادة-رحمه الله تعالى-قال:(سألت أبا الطفيل عن مسألة، فقال:"إن لكل مقام مقالًا" [5] ، ولقي رجل عالمًا في السوق يشتري، فأراد أن يسأله، فقال له:"إن عقلي مع دراهمي".
وعن عطاء بن السائب-رحمه الله تعالى-قال:"كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يكره أن يُسأل وهو يمشي" [6] .
وقال ابن جماعة-رحمه الله تعالى-: ولا تسأل عن شيء في غير موضعه إلا لحاجة، أو: علمٍ بإيثار الشيخ ذلك) [7] .
11 -وقال أيوب بن سويد-رحمه الله تعالى-: سمعت الثوري يقول: (كان يقال: حسن الأدب، يطفئ غضب الرب عز وجل) [8] .
10 -وقال البوشنجي-رحمه الله تعالى-:(من أراد العلم والفقه بغير أدب، فقد اقتحم أن يكذب على الله
ورسوله) [9] .
11 -وقال الإمام المجاهد سيدنا الهمام عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه وجهاده: (من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة) [10] .
وقال أيضًا-رحمه الله تعالى-: (إذا وُصف لي رجلٌ له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت رجلًا له أدب النفس أتمنى لقاءه، وأتأسف على فوته) [11] .
12 -قيل للشافعي-رحمه الله تعالى-: (كيف شهوتك للأدب؟) فقال: (أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا فتنعم به) . قيل له: (وكيف طلبك له؟) قال: (طلب المرأة المُضِلَّة ولَدَها وليس لها غيره) . وفي رواية قال ابن أبي حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي: (كيف شهوتك للعلم؟) ، قال: أسمع بالحرف-أي: بالكلمة- مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان).
فقيل له: (كيف حرصك عليه؟) ، قال: (حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال) .
فقيل له: (فكيف طلبك له؟) ، قال: (طلب المرأة الْمُضِلَّة ولدها ليس لها غيره) [12] .
13 -قال الإمام سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: (كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب، وتعبد قبل ذلك بعشرين سنة) [13] .
قال الحسن-رحمه الله تعالى-: (إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين) [14] .
14 -وقال رُويْم بن أحمد البغدادي لابنه: (يا بني اجعل عملك [15] مِلحًا، وأدبَك دقيقًا) [16] . أي: استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في سلوكك من حيث الكثرةُ كنسبة الدقيق إلى الملح الذي يوضع فيه، فمعنى عبارة رويم: أن الإكثار من الأدب في العمل القليل، خير من العمل الكثير الخاوي والخالي عن الأدب [17] .
(1) -سورة الأحزاب، رقم الآية: (21) . راجع هذه الآثار في: (الجامع لآداب الراوي والسامع) (1/ 78/79/ 142/156) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:137/ 138) .
(2) -انظر: (طبقات المفسرين) (2/ 36) ، و (الجامع) للخطيب (1/ 158) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:227) .
(3) -انظر: (أدب المفتي والمستفتي) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:225) .
(4) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 212) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:227) .
(5) -انظر: (الفقيه المتفقه) للخطيب (2/ 179) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:228) .
(6) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 212) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:157) .
(7) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 223) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:225) .
(8) -انظر: (الحلية) (7/ 79) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:137) .
(9) -انظر: (نزهة الفضلاء) (2/ 1006) و (حرمة أهل العلم) (ص:137) .
(10) -انظر: (مدارج السالكين) (2/ 381) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:137) .
(11) -انظر: (حرمة أهل العلم) (ص:140) . وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: (نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث) . كما في: (تذكرة السامع والمتكلم) (ص:3) . وقال بعضهم لابنه: (يا بني! لأن تتعلم بابًا من الأدب، أحب إلي من أن تتعلم بابًا من أبواب العلم) (تذكرة السامع والمتكلم) (ص:2/ 3) .
وقال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: قال لي أبي: (يا بني إيت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي من كثير من الحديث) . انظر: (الجامع) (1/ 80) للخطيب، وفي لفظ: (يا بني اصحب الفقهاء والعلماء، وخذ من أدبهم، فإن ذلك أحبُّ إليَّ من كثير من الحديث) .
قال إبراهيم النخعي-رحمه الله تعالى-: (كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه) . انظر: (تهذيب غذاء الألباب، شرح منظومة الأدب) (ص:27) .
(12) -انظر: (توالي التأنيس بمعالي محمد بن إدريس) (ص:105) ، قال شيخنا أبو غدة في: (قيمة الزمن عند العلماء) (ص:29) بعد أن ذكر هذه المحاورة التي رواها المزني عن شيخه-: (وبمثل هذا الشغف والعشق! للعلم يتكون النبوغ والإمامة فيه) .
(13) -انظر: (حلية الأولياء) (6/ 361) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:140) .
(14) -انظر: (لباب الآداب) (ص:227) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:140) . قال إبراهيم النخعي-رحمه الله تعالى-: (كنا إذا أردنا أن نأخذ عن شيخ، سألنا عن مطعمه ومشربه ومدخله ومخرجه، فإن كان على استواء أخذنا عنه، وإلا لم نأته) . انظر: (الكامل في ضعفاء الرجال) (1/ 154) .
(15) -عملك تقديم الميم على اللام، لكن المشهور تقديم اللام على الميم: (عِلْمَك) ، كما حفظنا من فم شيخنا محمد البقالي ..
(16) -قال العلامة المطلع بكر بن عبد الله أبو زيد في: (حلية طالب العلم) (ص:57) : (احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو: مسألتين، فإن كان في مجلس فيه من يشار إليه أثار البحث فيها، ليظهر علمه، وكم في هذا من سوأة أقلها: أن يعلم أن الناس يعلمون حقي) . انظر: (حرمة أهل العلم) (ص:230/ 231) .
(17) -انظر: (الفروق) للقرافي (3/ 96) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:137) .