الصفحة 13 من 51

فإذا حُرم الرفق، فاته من العلم ما يتحسر عليه.

قال الزهري-رحمه الله تعالى-: (كان أبو سلمة يسأل ابن عباس-رضي الله عنهما-(لا يلطف في السؤال) ، قال: فكان يخزن [1] عنه، قال: وكان عبيد الله بن عبد الله يلاطفه [2] ، فكان يَغِرُّه غَرًّا) [3] .

وقال الإمام الشعبي-رحمه الله تعالى-: (كان أبو سلمة يماري ابن عباس-رضي الله عنهما-، فحرم بذلك علمًا كثيرًا) ... وقد قال أبو سلمة نفسه: (لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا) [4] ... ).

وهذا النقل الطيب أردت به تذكير نفسي وأبنائي وطلبتي أن يتأدبوا مع شيوخهم في السؤال إن شاءوا استخراج العلوم الكثيرة من رؤوس شيوخهم-أما أنا فمجرد طالب علم ليس إلا-والإكثار من السؤال للتعلم محمود وللتعالم والامتحان مذموم.

وقلت أيضًا في: (الإتحاف) (ص:1046/ 1053) ما نصه: (ما هي الآداب في لسان العلماء؟

ثم اعلم أن الأدب: لفظ جامع للفضائل والأخلاق الكريمة، التي تؤدي إلى المحامد، وهذه بعض الأمثلة:

1 -قال أبو زيد الأنصاري-رحمه الله تعالى-: (الأدب يقع على كل رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) .

2 -قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى-: (الأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبَّرَ بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستَحسَنات، وقيل: بل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك [5] ، وقيل: إنه مأخوذ من"المأدبة"، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُدعى إليه) [6] .

3 -قال الإمام الخطيب البغدادي-رحمه الله تعالى-: (والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا، وأشد الخلق تواضعًا، وأعظمهم نزاهة وتديُّنًا، وأقلهم طيشًا وغضبًا، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين، ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها ...

4 -قال ابن شهاب-رحمه الله تعالى-: (إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وأدب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أمته، أمانة الله إلى رسوله، ليؤديه على ما أدِّيَ إليه، فمن سمع علمًا، فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله عز وجل) [7] .

5 -وعن سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-أنه كان يقول:(إن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خلقه وسيرته وهديه [8] ، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو

الباطل) [9] .

6 -وعن ابن وهب قال: سمعت مالكًا-رحمهما الله تعالى-يقول: (إن حقًا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متَّبعًا لأثَر من مضى قبله) [10] .

7 -وقال خالد بن نزار: سمعت مالك بن أنس يقول لفتى من قريش: (يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم) [11] .

8 -وعنه أن رجلًا قال لرجل من أهل السنة سأله عن طلب العلم، فقال له: (إن طلب العلم يحسم، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح حتى تمسي، ومن حين تمسي حتى تصبح، فالزمه، ولا تؤثرن عليه شيئًا) [12] .

9 -وعن ثابت بن محمد قال: سمعت الثوري يقول: (إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر؛ فافعل) .

(1) -يخزن، أي: يحبس عنه بعض الأحاديث، من خَزَنَ الماء: إذا أحرزه وحبسه. انظر: (حرمة أهل العلم) (ص:222) .

(2) -أي: يبره ويحسن معاملته. انظر: (حرمة أهل العلم) (ص:222) .

(3) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 209) ، ويقال: غَرَّ الطائرُ فَرْخَه غَرًا، وغِرارًا: أطعمه بمنقاره، وفي: (طبقات الشافعية) (2/ 134) : أن الإمام الشافعي قال لتلميذه الربيع بن سليمان المرادي:"لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك". انتهى من هامش: (حرمة أهل العلم) (ص:222) .

(4) -انظر: (حرمة أهل العلم) (ص:223) .

(5) -والأصل في ذلك قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (ليس منا من لم يُجلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) . رواه أحمد (5/ 323) وصححه أحمد شاكر، ومحققو المسند، والحاكم في (المستدرك) (1/ 122) من حديث عبادة بن الصامت وصححه، وحسنه اللألباني (صحيح الجامع) (رقم:5319) .

(6) -انظر: (فتح الباري) (10/ 400) ، و (تهذيب غذاء الألباب، شرح منظومة الأدب) (ص:27) .

(7) -انظر: (الجامع لآداب الراوي والسامع) (1/ 79) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:138) .

(8) -قال الشيخ محمد أحمد المقدم في كتابه (حرمة أهل العلم) (ص:139) : (وهدي الرجل: سيرته العامة والخاصة، وحاله، وأخلاقه. ولأن"خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -"فقد كان السلف يرمقون من كان أولى الناس وأقومهم بهديه - صلى الله عليه وسلم -، فحينئذ يرتضونه أسوة وقدوة، وينتفعون بلحظه ولفظه، ويصدرون عن خلُقه وسلوكه، ويدونون هذا الهدي لتتناقله الأجيال وتنتفع به) .

وقال: (وما يزال بعض الناس إلى عهد قريب-في بلاد الهند وما والاها-يراقبون ما يصدر عمن وصل في نظرهم إلى هذا المقام، فيكتبون عنه ما يقول وما يفعل، ويجمعون ذلك في كتاب يسمونه:(الملفوظات) أو: (الفيوضات) .

انظر: (صفحات في أدب الرأي) (ص:61) للشيخ محمد عوامة. ذكر الراغب الأصبهاني: أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية، يقول لهم: (ما أشد ما مرَّ بكم في هذا الحبس؟) ، فقالوا: (ما فقدنا من تربية أولادنا) .

راجع: (تربية الأولاد في الإسلام) (2/ 152) للشيخ عبد الله ناصح علوان، و (حرمة أهل العلم) (ص:136) . فقد اهتم علماؤنا بالأدب فعقدوا في مصنفاتهم (الجوامع) : كتاب الأدب، وبعضهم أفرده بالتصنيف كما فعل البخاري في: (الأدب المفرد) ، وابن مفلح في كتابه القيم: (الآداب الشرعية، والمنح المرعية) ، والسفاريني في: (غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب) .

و (الجامع) ، و (الفقيه والمتفقه) كلاهما للخطيب، و (تعليم المتعلم طريق التعلم) للزرنوجي، و (آداب الطلب ومنتهى الأَرَب) للشوكاني، و (أخلاق العلماء) للآجري، و (آداب المتعلمين) لسحنون، و (الرسالة المفصلة لأحكام المتعلمين) للقابسي، و (تذكرة السامع والمتعلم) لابن جماعة، و (الحث على طلب العلم) للعسكري، و (فضل علم السلف على الخلف) لابن رجب، و (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر، و (العلم وفضبه وطلبه) للأمين الحاج، و (مفتاح دار السعادة) لابن القيم، و (شرح الإحياء) للزبيدي، و (جواهر العقدين) للسمهودي، و (من أخلاق العلماء) لمحمد سليمان، و (مناهج العلماء) لفاروق السامرائي، و (التعليم والإرشاد) لبدر الدين الحلبي، و (التعالم) ، و (حلية طالب العلم) كلاهما لبكر عبد الله أبي زيد، و (حرمة أهل العلم) ، و (علو الهمة) ، و (إيقاظ الهمة) وغيرها كثير.

(9) -انظر: (الجامع) (1/ 79) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:137) .

(10) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 710/رقم:1287) ، و (الحلية) (6/ 324) ، و (المدونة) (ص:12) .

(11) -انظر: (حلية الأولياء) (6/ 330) و (حرمة أهل العلم) (ص:137) . وقال الإمام مالك: (كانت أمي تعممني، وتقول لي: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه) . (ترتيب المدارك) (1/ 119)

(12) -انظر: (حلية الأولياء) (6/ 319) و (حرمة أهل العلم) (ص:141) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت