الصفحة 12 من 51

قال الإمام مالك للرشيد-رحمهما الله تعالى-: (أدركت أهل العلم يُؤتون، ولا يَأتون، ومنكم خرج العلم، وأنتم أولى الناس بإعظامه، ومن إعظامه له ألا تدَعوا حملته على أبوابكم) [1] .

وروى الخطيب-رحمه الله-بسنده عن حمدان ابن الأصبهاني-رحمه الله تعالى-قال:(كنت عند شريك، فأتاه بعض ولد المهدي، فاستند إلى الحائط، وسأله عن حديث، فلم يلتفت إليه، فأعاد عليه، فلم يلتفت إليه. فقال: كأنك تستخف بأولاد الخلافة.

قال: لا، ولكن العلم أزْيَن عند أهله من أن يضيِّعوه. قال: فجثا على ركبتيه، ثم سأله، فقال شريك: هكذا يُطلب العلم) [2] .

وأخرج الخطيب أيضًا عن إبراهيم بن إسحاق الحربي قال: (كان عطاء بن أبي رباح عبدًا أسودَ لامرأة من مكة، وكان أنفه كأنه باقلاة) .

قال: وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج، وقد حوَّل قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنَيه: قوما، فقاما. وقال: يا بَنيَّ، لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلَّنا بين يدي هذا العبد الأسود) [3] .

وقال العلامة محمد أحمد إسماعيل المقدم-حفظه الله تعالى-في كتابه النافع: (حرمة أهل العلم) (ص:221/ 223) تحت الفصل الخامس: (آداب السؤال) :(ينبغي لطالب العلم أن يلاطف شيخه في المسألة، ويرفق به، ويخاطبَه بالسؤدد والتفدية، ويديمَ الدعاء له، والتأدبَ معه، فإن ذلك خير سبيل إلى بلوغ أغراضه منه، قال المستظهر:"أدب السائل أنفع من الوسائل" [4] .

وعن وهب بن منبه، وسليمان بن يسار أنهما قالا:"حسن المسألة نصف العلم، والرفق نصف العيش" [5] .

والأدب خير وسيلة لاستدرار علم الأستاذ: قال ابن جريج:"لم استخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به" [6] .

وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى- [7] :

لم أرَ مثلَ الرفق في أمره ‍ ... أخرج العذراء من خِدرها

من يستعن بالرفق في أمره ‍ ... قد يُخرجُ الحيةَ من جُحْرها) [8] .

وقد قيل:"ليس من أخلاق المؤمن التملُّق ولا الحسد، إلا في طلب العلم" [9] .

وعن محمد بن عبد الرحمن الطرائفي قال: (حضرتُ بدمشق عند ابن جوصا، فجعلت أتملقه، أيها الشيخ، مثلك مثل ما قال كُثَيِّرُ عزة:

وإذا الدُّرُّ زان حُسْنَ وجوهٍ ‍ ... كان للدُّرّ حُسْنُ وجهك زَيْنَا

وتزيدينَ أطيبَ الطيبِ طيبًا ‍ ... إن لَمَسْتِيه أين مثلكِ أينا

فقال:"هَوِّن عليك، نا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول:"لا يَغُرُّ المدحُ من عرف" [10] ."

وعن علي بن حرب قال: حدثني أبي قال: (كنا في مجلس سفيان بن عيينة، فضَجَر، فقام من مجلسه، فقام إليه رجل من أقصى المجلس، فقال:"يا أبا محمد، أنت غاية الناس وطِلبتهم، وإن الرجل ليريد الحج، وما ينشط إلا إلى لقائك، فجلس وأنشأ يقول:"

خَلَت الديارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدِ ‍ ... ومن الشقاء تفرُّدي بالسؤدد [11]

(1) -انظر: (جامع بيان العلم) (ص:222) ، و (آفات العلم) (ص:59) .

(2) -انظر: (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (1/ 198) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (4/ 648/رقم:129 - ترجمة: شريك القاضي) ، و (مسند علي بن الجعد) (رقم:2538) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 77) ، و (آفات العلم) (ص:66)

(3) -انظر: (الفقيه والمتفقه) (1/ 21) ، و (آفات العلم) (ص:66) .

(4) -انظر: (السير) (19/ 398) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:221) .

(5) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 382) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:221) .

(6) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 519) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:221) .

(7) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 209) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:221) .

(8) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 209) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:221) .

(9) -انظر: (الجامع) (1/ 211) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:221 - والمقصود بالحسد هنا: المشروع منه، وهو الغبطة، لا المذموم الذي هو: تمني زوال النعمة عن الغير) .

(10) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 210) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:222) .

(11) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 210) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:222) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت