الصفحة 10 من 51

نعم-والله-قد تأدب الإمام الشافعي مع شيوخه وتأدب معه تلامذته، وهذه بعض النماذج من ذلك:

9 -يقول الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي-رحمه الله تعالى-: (والله ما اجترأت أن أشرب الماء، والشافعي ينظر؛ هيبة له) [1] .

ولله در القائل:

طهرتمْ فَطُهِّرنا بفاضِل طُهْرِكم ‍ ... وطبتم فمن أنفاس طيبكم طبنا

10 -وهذا جبل السنة، وإمام الجماعة أحمد بن حنبل-يدعو لشيخه الشافعي أربعين سنة في كل صلاة يصليها ويسمعه ابنه فيسأله من يكون هذا الشافعي الذي تخصه بالدعاء في كل صلاة-فيجيبه قائلًا هو: (كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف؟ أو: منهما من عوض؟) [2] .

11 -وقال عمرو الناقد-رحمه الله تعالى-: (كنا عند وكيع، وجاء أحمد بن حنبل فقعد، وجعل يصف من تواضعه بين يديه، قال عمرو: فقلت: يا أبا عبد الله، إن الشيخ يحترمك فما لك لا تتكلم؟ قال: وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أجله) .

12 -وقال قتيبة بن سعيد-رحمه الله تعالى-: (قدمت بغداد، وما كان لي همة إلا أن ألقى أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين، فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل، وجلس بين يدي وقال: أمل علي هذا، ثم تذاكرنا، فقام أيضًا وجلس بين يدي، فقلت: يا أبا عبد الله، اجلس مكانك، فقال: لا تشتغل بي، إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه) .

13 -قال إسحاق الشهيد-رحمه الله تعالى-: (كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة المسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم يستمعون الحديث، وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظامًا) .

14 -وقال خلف-رحمه الله تعالى-: (جاءني أحمد بن حنبل، يسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه) [3] .

وقد تأدب الإمام أحمد مع شيوخه وتأدب معه تلامذته، وهذه بعض النماذج من ذلك:

15 -قال أبو عبيد القاسم بن سلام-رحمه الله تعالى-: (جالست أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فما هبت أحدًا منهم، ما هبت أحمد بن حنبل) [4] .

16 -وقال عبدوس-رحمه الله تعالى-: (رآني أبو عبد الله يومًا وأنا أضحك، فأنا استحييه إلى اليوم) .

17 -وما أروع ما قاله أبو حنيفة في آداب القوم وأخلاقهم بصفة عامة: (الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إلي من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم وأخلاقهم) [5] .

18 -وقد أجاد الحافظ السخاوي حين قال: (إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟) .

19 -وقال الإمام الحافظ الورع النووي-رحمه الله-في: (المجموع) -وهو يتأدب مع شيوخه-: (أجدادنا في سلسلة الفقه) .

20 -وقال أيضًا الحافظ الورع الزاهد الإمام الهمام النووي-رحمه الله تعالى-في: (تهذيبه) : (إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين) [6] .

ويؤيد هذا ما جاء في: (الصحيح) من رواية أبي هريرة-رضي الله تعالى-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: ( ... إنما أنا لكم مثل الوالد لولده) ، وفي لفظ: (بمنزلة الوالد أعلمكم) .

ولله در شاعرنا العربي حين قال:

(1) -انظر: (الآداب الشرعية) لابن مفلح (1/ 226) .

(2) -قال الحافظ الذهبي في: (تاريخه) (5/ 151/313) : (وقال محمد بن هارون الزَّنجاني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: يا أبتي، أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال لي: يا بُني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف، أو: منهما عوض؟ الزنجاني مجهول ... وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة أدعو لهم سَحَرًا أحدهم الشافعي) .

و (قال عبد الرحمن بن مهدي-رحمه الله تعالى-: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها) . وقال أيضًا في (5/ 153/رقم:313) : (وقال الحارث بن سُريج النقال: سمعت يحيى القطان-رحمه الله تعالى-يقول: أدعو الله للشافعي أخصه به) . وكان الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-يقول: (ما حمل أحد مِحبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منة) .

(3) -انظر: (مناقب الإمام أحمد) (ص:82/ 83) .

(4) -انظر: (مناقب الإمام أحمد) (ص:273/ 274) .

(5) -وأورده السخاوي في: (الإعلان) (ص:48) بلفظ: (الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم) .

(6) -وأذكر هنا بيتًا من قصيدة لي كنت بعثت بها إلى شيخنا ونصه:

فيا شيخي لأنت أبٌ رءوفٌ * بمثلي نِعْمَ إنسانٌ رَءُوفُ

كتبه عمر الحدوشي ليلة الجمعة 6 جمادى الثانية 1428 هـ بالسجن المحلي بتطوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت