أخاطبك بهذه الآداب وأُذكرك بها، والمراد به غيرك من باب: (إياك أعني وافهم يا جارتي) ، أما أنت فيظهر لي من خلال مرقومك أنك في سماء الأدب: ( ... قال عمر بن العلاء:
1 -أول العلم: الصمت.
2 -ثم حسن السؤال [1] .
3 -ثم حسن الاستماع [2] .
4 -ثم حسن الحفظ.
5 -نشره عند أهله [3] .
د-قال العلامة المحقق ابن القيم:(للعلم ست مراتب:
1 -أولها: حسن الفهم.
2 -الثانية: حسن الإنصات والاستماع.
3 -الثالثة: حسن الفهم.
4 -الحفظ.
5 -الخامسة: التعليم.
السادسة: وهي ثمرته وهي العمل به ومراعاة حدوده [4] .
ومن الناس من يُحرمه لعدم حسن سؤاله إما لأنه لا يسأل أو: يسأل عن شيء وغيره أهم إليه منه كمن يسأل عن فضوله التي لا يضر جهله بها ويدع ما لا غنى له عن معرفته وهذه حال كثير من الجهال المتعلمين، ومن الناس من يحرمه لسوء إنصاته فيكون الكلام والمماراة آثر عنده وأحب إليه من الإنصات وهذه آفة كامنة في أكثر النفوس الطالبة للعلم وهي تمنعهم علمًا كثيرًا ولو كان حسن الفهم ... ) .
ثم قال:(والمقصود بيان حرمان العلم من هذه الوجوه الستة:
1 -الوجه الأول: ترك السؤال.
2 -الثاني: سوء الإنصات وعدم إلقاء السمع.
3 -الثالث: سوء الفهم.
4 -الرابع: عدم الحفظ.
5 -الخامس: عدم نشره وتعليمه، فإن من خزن علمه ولم ينشره ولم يعلمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه [5] منه جزاءً من جنس عمله وهذا أمر يشهد به الحس والوجود.
6 -السادس: عدم العمل به، فإن العمل به يوجب تذكره وتدبره ومراعاته [6] والنظر فيه فإذا أهمل العمل به نسيه) [7] .
وبرهان هذه المراتب قوله تعالى: (والعصر إن الإنسان [8] لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .
قال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-: (لو فكر الناس في هذه السورة لكفتهم) . وفي رواية: (لو ما أنزل الله تعالى على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم) .
وقد قال ابن القيم في تفسير وبيان معاني هذه السورة: (إن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كمالها:
1 -أحدها: معرفة الحق.
(1) -قال عمر بن الخطاب-رضي الله عنه: (حسن السؤال نصف العلم) . وقد قرأت في: (السير) في تراجم بعض الأعلام وقد سئل بماذا حصّلت هذا العلم؟ فأجاب: ( ... بلسان سؤال) . يسألون تفقهًا لا تعنتًا وإعجازًا.
قال الخليل: (حين أردت النحو أتيت الحلقة فجلست سنة لا أتكلم، إنما أسمع، فلما كانت السنة الثانية نظرت، فلما كانت السنة الثالثة تدبرت، فلما كانت السنة الرابعة: سألت وتكلمت) . (الفقيه) (2/ 101) .
وقال يحيى بن معاذ الرازي-رحمه الله تعالى-: (الكلام حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من عملت له) . انظر: (شعب الإيمان) (4/ 422) ، و (فتح الباري) (12/ 138) .
(2) -ولذا يرى العلماء أن الطالب: (إذا حضر ناعسًا أو: مغمومًا، أو: مشغول القلب، أو: قد بطر فرحًا، أو: امتلأ غضبًا لم يقبل قلبه ما سمع وإن ردد عليه الشيء وكرره، فإن فهم لم يثبت في قلبه ما فهمه حتى ينساه، وإن استعجم قلبه على الفهم كان ذلك داعية الفقيه إلى الضجر للمتعلم وإلى الملل) .
(3) -رواه الخطيب في: (الفقيه) (2/ 100) .
(4) -قال مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-: (إذا طلب الرجل العلم ليعمل به سره علمه، وإذا طلب العلم لغير أن يعمل به زاده علمه فخرًا) . وقال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: (العلم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء في نفسه، فمتى يداوي غيره؟) . انظر: (روضة العقلاء) (ص:35) .
(5) -قال ابن حبان-رحمه الله تعالى-في: (روضة العقلاء) (ص:39) : ( ... لأن أول بركة العلم الإفادة، وما رأيت أحدًا قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه، وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض ما لم يَنْبَعْ، ولا بالذهب الأحمر ما لم يُستخرج من معدنه، ولا باللؤلؤ النفيس ما لم يخرج من بحره، كذلك لا ينتفع بالعلم ما دام مكنونًا لا ينشر ولا يفاد) .
ثم ذكر سنده المتصل إلى ابن المبارك قال:(من بخل بالحديث يبتلى بإحدى ثلاث:
1 -إما أن يموت فيذهب علمه،
2 -أو: ينسى،
3 -أو: يبتلى بالسلطان) .
قال الحافظ السخاوي-رحمه الله تعالى-في: (الإعلان) (ص:77) : (وذكر في ترجمة الحافظ الشمس أبي العباس محمد بن موسى بن سند أنه تغير ذهنه في آخر عمره، ونسي غالب محفوظاته حتى القرآن، وأنه قيل: إن ذلك كان عقوبة من الله له، لكثرة وقيعته في الناس. على أن ذلك قد وقع للبرهان الحلبي، مع أنه لم يكن يتعرض لأحد، بل: كان ورِعًا زاهدًا، ولكنه تراجع قبل موته. ونظيره قولهم: إنما يخرف الكذابون، فإنه قد يخرف من لم يوصف بذلك) .
(6) -قال وكيع-رحمه الله تعالى-: (استعينوا على الحفظ بترك المعصية) . انظر: (روضة العقلاء) (ص:39) . وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: (استعينوا على حفظ الحديث بالعمل به) . قال الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى-في: (تاريخه) (4/ 383/رقم:150 - ترجمة: سفيان الثوري) : (فعن وكيع أن والدة سفيان قالت له: يا بني اطلب العلم وأنا أعولك بمغزلي، وإذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في الخير، فإن لم تر ذلك فلا تتعَنَّ) .
قال أبو الفضل عمر الحدوشي: عند ما تحفظ حديثًا، أو: قاعدة، أو: فائدة، استحضر نصب عينيك العمل بها حتى ترسخ في الذهن وتثبت، أما إذا كان همك من الحفظ والعلم: القول فقط فاعلم أنه سيرحل من صدرك بمجرد ما تفرغ من القول ... أي: بمجرد ما تلقي منه خطبة، أو: موعظة، أو: محاضرة.
(7) -فإذا أردت التوسع في هذا فعليك بكتاب. انظر: (مفتاح دار السعادة) (1/ 172) لابن القيم.
(8) -أل في (الإنسان) لاستغراق الجنس. أي: كل وجنس الإنسان في خسر-ثم استثنى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .