منها: أنه وفق لذلك العمل: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) [1] .
ومنها: أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها.
ومنها: أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم، احتُقر كل عمل وتعبُّد.
هذا إذا سلم من شائبةٍ، وخلص من غفلة، فأمَّا والغفلات تحيط به، فينبغي أن يغلب الحذر من رده، ويخاف العتاب على تقصيره فيه، فيشتغل عن النظر إليه.
وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك، فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا: ما عبدناك حق عبادتك.
والخليل-عليه السلام-يقول: (والذي أطمع أن يغفر لي) [2] وما أدل بتصبّره على النار وتسليمه الولد إلى الذبح.
ورسوله الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-يقول: ("لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ"قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:"لا وَلا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) [3] ."
وفي رواية قال: ("سَدِّدوا وقارِبوا، واعلموا أنه لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكم عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَّ") [4] . وأبو بكر-رضي الله عنه-يقول: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟
وعمر-رضي الله عنه-يقول: لو أنَّ لي طلاع الأرض لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر.
وابن مسعود-رضي الله عنه-يقول: (ليتني إذا متُّ لا أبعث) .
وعائشة-رضي الله عنها-تقول: (ليتني كنت نسيًا منسيًّا) . وهذا شأن جميع العقلاء، فرضي الله عن الجميع.
ولولا عزَّة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كامل خائفًا محتقرًا لعمله، حذرًا من التقصير في شكر ما أنعم عليه به. وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر، ويوجب مساكنة الذل، فتأمله فإنه أصل عظيم) [5] .
وعلى الجملة فما تحلى العالم بحلية أجمل، ولا ارتدى حلة أفخر من التواضع، وما تردى العالم برداءٍ أحقر، ولا تزيَّ بزيٍٍٍّ أسوأ من الكبر والعجب.
لذلك وصى عمر-رضي الله تعالى عنه-أهل العلم بالتواضع، للمعلم والمتعلم سواء، وهي نصيحة غالية فاجعلها منك على ذكر أبدًا.
قال عمر-رضي الله تعالى عنه-: (تعلَّموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه، ولمن علَّمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم) [6] .
وكان أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-على جلالته وإمامته من أشد الناس تواضعًا، قال عارم أبو النعمان: وضع أحمد عندي نفقته، فكان يجيء فيأخذ منها حاجته، فقلت له يومًا: يا أبا عبد الله، بلغني أنك من العرب فقال: يا أبا النعمان، نحن قوم مساكين، فلم يزل يدافعني حتى خرج، ولم يقل شيئًا.
وقال أبو بكر المروذي-رحمه الله تعالى-: قلت لأبي عبد الله-رحمه الله تعالى-: (إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس؟) [7] ... ).
وإلى هذا أشرت بقولي:
أُسْدِي إلى الإخوانِ خيرَ نصيحةٍ ... تُهدِي النفوسَ لِحِكْمةٍ ونباهِ
دُومُوا على التَّقوى وحُسْنِ عِبَادَةٍ ... فَلَقَد بَلَغْتُمْ نَيْلَ فَضْلِ إلَهِي
(1) -اسورة الحجرات، الآية: (رقم:7) . انظر: (تهذيب إحياء علوم الدين) (2/ 138) .
(2) -سورة الشعراء، الآية رقم: (82) .
(3) - وقد وردت في هذا أحاديث كثيرة تؤكد بأن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-نفسه لا يعلم ما سيفعل به في المستقبل وأنه لا يستطيع دخول الجنة إلا إذا أدخله الله فيها برحمته وإليكم النصوص الدالة على هذا منها:
1 -قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي) .- (رواه البخاري، مع الفتح:3/ 114) -
2 -ومنها: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لاَ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ) . (رواه الشيخان:(الفتح-مع اختلاف في بعض الألفاظ-10/ 127) .
ففي هذين الحديثين صرح الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأنه لا يعرف ما يفعل به وأنه لا يستطيع أن يدخل أحد بعمله الجنة إلا بفضل الله حتى هو صلوات الله وسلامه عليه، وإذا كان الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كذلك لا يملك لنفسه دخول الجنة إلا برحمة الله فتوجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة يعتبر عبثًا وهراءً وما أوقعهم في هذا الشرك إلا حبهم للخرافة والابتداع والوقوع في حبائل الشرك).
انظر: (مظاهر الانحرافات العقدية) (1/ 488/489) . انتهى من هامش: (التوضيحات) (ص:49) .
(4) -رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (رقم:5986) ، ومسلم (رقم:5043) .
(5) -انظر: (صيد الخاطر) (ص:482) .
(6) -انظر: (جامع بيان العلم) (ص:179) .
(7) -انظر: (آفات العلم) (ص:85/ 97)