اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ، لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لا يُصْبِحُ وَلا يُمْسِي إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ.
وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ: الْكَذِبَ، وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ-وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ-وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: (كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلالٌ) .
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ- خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ:
قَالَ يَحْيَى، قَالَ شُعْبَةُ: عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، و حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ ابْنِ حِمَارٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ قَالَ:
"قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ فِيهِ:"وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ"."
وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ:"وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لا يَبْغُونَ أَهْلا وَلا مَالًا، فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ مَا بِهِ إِلاَّ وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا) [1] ."
ولله در القائل:
أحسن أخلاق الفتى وأتمها ... تواضعه للناس وهو رفيع
وأقبح شيء أن يرى المرء نفسه ... رفيعًا وعند رب العالمين وضيع
عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَاتَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ، قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-يَقُولُ: (يَاتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ [2] ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ) [3] .
وفي رواية للإمام الهمام مسلم بن الحجاج: عن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قال: إني سمعت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-يقول: (إنَّ خير التابعين [4] رجل يقال له: أويس، وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم) .
والكبر والعجب من رعوناتِ نفسٍ تَنسى أن ما بها من نعمة فمن الله، وأن الأمر كله لله، أما إذا تم العلم، فلا كبر ولا عجب لأنه: (إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملًا، وإنما يرى إنعام الموفِّقِ لذلك العمل، الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملًا أو: يعجب به، وذلك بأشياء:
(1) -رواه مسلم في: (صحيحه) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفة التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (رقم:5109) ، وأبو داود في: (سننه) كتاب الأدب، وابن ماجه كتاب الزهد وغيرهم
(2) - وقوله"أمداد أهل اليمن"هم الجماعة الغزاة الذين يمدون جيوش الإسلام في الغزو، وواحدهم: مددٌ، والحديث رواه مسلم في: (صحيحه) كتاب فضائل الصحابة (16\ 95 - مع النووي) .
(3) -وقوله:"أكون في غبراء الناس أحبَّ إليَّ"أي: ضعافهم وصعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يُؤبه لهم، وهذا من إيثار الخمول وكتم حاله).
(4) -قال النووي-رحمه الله تعالى-: (قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"إن خير التابعين رجل يقال له أويس". هذا صريح في أنَّه خير التابعين، وقد يقال: قد قال أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين: سعيد بن المسيب، والجواب: أنَّ مرادهم أن سعيدًا أفضل في العلوم الشرعية، كالتفسير والحديث والفقه ونحوها، لا في الخير عند الله تعالى. انظر:(شرح النووي على صحيح مسلم) (16/ 95) ، و (آفات العلم) (ص: 94/ 95) .