وقال سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-: (من كانت معصيته في شهوة، فارجُ له التوبة فإن آدم-عليه السلام-عصى مشتهيًا فغُفِر له، فإذا كانت معصيتُه من كبر، فاخش عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبرًا فلُعِن) [1] .
ثم، (اعلم أنَّ الكبر ينقسم إلى:
1 -ظاهر
2 -وباطن،
فالباطن هو خلق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح، واسم الكبر بالخُلق الباطن أحق، أما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق.
وخلق الكبر موجب للأعمال، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإذا لم يظهر يقال: في نفسه كبر.
ولا يتصور أن يكون متكبرًا إلاَّ أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبرًا، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبرًا، فإنه قد يستعظم نفسه، ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو: مثل نفسه فلا يتكبر عليه. ثم هذه العزة تقتضي أعمالًا في الظاهر والباطن هي ثمرات، ويسمَّى ذلك تكبرًا.
فهو إن حاجَّ أو: ناظر أنف أن يُردَّ عليه، وإن وُعِظ استنكف من القبول، وإن وَعَظ عنف في النصح، وإن رُدَّ عليه شيء من قوله غضب، وإن عَلَّم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتنَّ عليهم واستخدمهم، وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير، استجهالًا لهم واستحقارًا، والأعمال الصادرة عن خُلُق الكبر كثيرة، وهي أكثر من أن تحصى فلا حاجة إلى تعدادها فإنها مشهورة.
فهذا هو الكبر، وآفته عظيمة، وغائلته هائلة، وفيه يهلك الخواص من الخلق، وكيف لا تعظم آفته وقد قال-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- [2] : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) [3] .
قال الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى-في ترجمة: فرقد بن يعقوب السبخي، أبو يعقوب البصري-رحمه الله تعالى-:( ... قال قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث أول ذنب عُصي الله به:
1 -الكبر،
2 -والحسد،
3 -والحِرص) [4] .
قال ابن قدامة-رحمه الله تعالى-: (واعلم أن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون الكبر مستقرًا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرًا من غيره، إلاَّ أنه يجتهد ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة، إلا أنه قد قطع أغصانها.
الثانية: أن يُظهر لك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، والإنكار على من يقصر في حقه، فترى العالم يُصَعِّر [5] خده للناس، كأنه معرض عنهم، والعابد يعيش كأنه مستقذر لهم، وهذان قد جهلا ما أدَّب الله به نبيه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-حين قال: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [6] .
الدرجة الثالثة: أن يظهر الكبر بلسانه، كالدعاوي والمفاخر، وتزكية النفس، وحكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره، وكذلك التكبر بالنسب، فالذي له نَسَبٌ شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملًا.
قال حبر الأمة عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما-يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، وليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى. قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [7] .
(1) -انظر: (مختصر منهاج القاصدين) (ص:290) .
(2) -رواه مسلم. من رواية عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-، وأخرجه أبو داود في: (سننه) ، والترمذي في: (جامعه) ، وغيرهم والحديث سبق تخريجه.
(3) -انظر: (إحياء علوم الدين) (2/ 128) ، و (آفات العلم) (ص::85/ 88) .
(4) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (3/ 480/رقم:265) ، و (3/ 721/رقم:235) .
(5) -أي: يميله من الكبر.
(6) -سورة الشعراء، رقم الآية: (215) .
(7) -سورة الحجرات، الآية رقم: (13) .