وكذلك التكبر بالمال، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك، فالكبر بالمال أكثر ما يجري بين الملوك والتجار ونحوهم.
والتكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء، ويدعوهن إلى التنقص والغيبة وذكر العيوب.
وأما التكبر بالأتباع والأنصار، فيجري بين الملوك بالمكاثرة بكثرة الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين.
وفي الجملة فكل ما يمكن أن يعتقد كمالًا، فإن لم يكن في نفسه كمالًا، أمكن أن يتكبر به، حتى إن الفاسق قد يفتخر بكثرة شرب الخمر والفجور، لظنه أن ذلك كمال.
واعلم أن التكبر يظهر في شمائل الإنسان، كصعر [1] وجهه، ونظرِه شزرًا، وإطراقِ رأسه، وجلوسه متربعًا ومتكئًا، وفي أقواله، حتى في صوته ونغمته، وصيغة إيراده الكلام، ويظهر ذلك أيضًا في مشيه وتبختره، وقيامه وقعوده وحركاته وسكناته، وسائر وتقلباته ... ) [2] .
(والكبر بالعلم، هو أعظم الآفات وأغلب الأدواء [3] وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد، وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله، عظيم عند الناس، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما، بل: لا قدر لهما أصلًا إلاَّ إذا كان معهما علم وعمل، ولذلك قال كعب الأحبار-رحمه الله تعالى-:(إنَّ للعلم طغيانًا كطغيان المال) .
وقال عبد الله عمر-رضي الله تعالى عنه-: (العالم إذا زلَّ زَلَّ بزلته عالَمٌ) .
ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين:
أحدهما: أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكدُ، وأنه يحتمل من الجاهل مالا يحتمل عُشرُه من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش، إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم.
الأمر الثاني: أن العالم يعرف أنَّ الكبر لا يليق إلا بالله عز وجلَّ وحده، وأنه إذا تكبر صار ممقوتًا عند الله بغيضًا، وقد أحب الله منه أن يتواضع وقال له: إن لك عندي قدرًا ما لم تر لنفسك قدرًا، فإن رأيت لنفسك قدرًا فلا قَدْر لك عندي، فلا بدَّ وأن يكلِّف نفسه ما يحبُّه مولاه منه) [4] .
وأما العجب فإنَّ آفاته كثيرة، قال ابن قدامة: (واعلم العجب يدعو إلى الكبر، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثير التي لا تخفى.
هذا مع العباد، وأما مع الله تعالى. فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها، لظنّه أنَّه مستغْنٍ عن تفقدها فينساها، وما يتذكره منها فيستصغره ولا يستعظمه، فلا يجتهد في تداركه أو: تلافيه، بل: يظن أنه يغفر له.
وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويتبجح بها، ويمن على الله تعالى بفعلها، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها، ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعًا، فإنَّ الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية من الشوائب قلَّما تنفع، وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجْب.
والمعجَب يغتر بنفسه وبرأيه، ويأمن مكر الله وعذابَه، ويظن أنه عند الله بمكان، وأن له عند الله منةً وحقًا بأعماله التي هي نعمة من نعمه، وعطية من عطاياه، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها.
وإن أُعجب برأيه وعمله وعقله مَنَعَ ذلك من الاستفادة، ومن الاستشارة والسؤال، فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه، وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خَطَرَ له فيفرح بكونه من خواطره، ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه، ولا يسمع نصح ناصحٍ، ولا وعظ واعظ، بل: ينظر إلى غيره بعين الاستجهال، ويصرُّ على خطئه، فإن كان رأيه في أمرٍ دنيويّ فيخفق فيه، وإن كان في أمر دينيّ لا سيما [5] فيما يتعلَّق بأصول العقائد فيهلك به.
(1) -الصَّعر: ميل في وجه، وقيل: الصعر الميل في الخد خاصة، وقد صعَّر خدَّه وصاعره: أماله من الكبر. انظر: (لسان العرب) (ص:233) .
(2) -انظر: (مختصر منهاج القاصدين) (ص:233) ، والنسخة التي عندي داخل السجن بتحقيق علي حسن (ص:192/ 293) ، و (آفات العلم) (89/ 90) ..
(3) -الأدواء: جمع داء. انظر: (مختصر منهاج القاصدين) (ص:90) .
(4) -انظر: (تهذيب إحياء علوم الدين) (2 ص:136) .
(5) -قالت أم الفضل حرم وتلميذة المؤلف: (ولا سيما) قال ثعلب: يلحنون فيه لحنات، يحذفون الواو منه، وحرف النفي، ويحققون تاءه وقد أبدلت العرب (لا) تاءً فقالوا: (تا سيما) كما قالوا: (قام زيد تا بل: عمرو-همع الهوامع 3/ 295 - ) ولا يجوز استعماله إلا كما جاء في قوله: (ولا سيما يوم بدارة جلجل) (الهمع 3/ 293/ والأشموني 1/ 411) وقال السخاوي: يجوز حذف النفي منه قياسًا على قوله تعالى: (تالله تفتؤا) أي: لا تفتؤا.
قال العلامة السيوطي: ولا تحذف لا من لا سيما، لأنه لم يسمع إلا في كلام المولدين كقوله: (سيما من حالت الأحراس من دون مناه) . قال الصبان: أما حذف (لا) فقال الدماميني: حكى الراضي أنه يقال: (سيما) بالتثقيل والتخفيف مع حذف (لا) ولم أقف عليه من غير جهته، بل: في كلام الشارح-أي: المرادي- أن سيما بحذف (لا) لم يوجد إلا في كلام من لا يحتج بكلامه. (الهمع) (3/ 194) ، و (حاشية الصبان) (2/ 168) ، و (النكت) للزركشي (1/ 26) . انتهى من حاشية: (إمداد السقاة بدلو الرواة) (ص:220) .