(وأما الأدب مع الخلق: فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم، بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب، والمراتب فيها أدب خاص: فمع الوالدين: أدب خاص، وللأب منهما: أدب هو أخص، ومع العالم أدب آخر، ومع السلطان أدب يليق به، وله مع الأقران أدب يليق بهم، ومع الأجانب: أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه، ومع الضيف: أدب غير أدبه مع أهل بيته.
ولكل حال أدب:
1 -فللأكل آداب،
2 -وللشرب آداب،
3 -وللركوب آداب،
4 -وللدخول إلى بيته آداب،
5 -وللخروج منه آداب،
6 -وللسفر آداب،
7 -وللإقامة آداب،
8 -وللنوم آدب،
9 -وللكلام آداب،
10 -وللسكوت آداب،
11 -وللاستماع آداب.
وأدب المرء: عنوان سعادته وفلاحه.
وقلة أدبه: عنوان شقاوته وبواره. فما استجلب خيري الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.
فانظر إلى الأدب مع الوالدين: كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة؟ والإخلال به مع الأم-تأويلًا وإقبالًا-على الصلاة كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة؟
وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان؟! وانظر قلة أدب عوف بن مالك مع خالد-رضي الله عنهما-: كيف حرمه السلب بعد أن بَرَدَ بيديه؟!.
وانظر أدب الصديق مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في الصلاة أن يتقدم بين يديه، فقال:"ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-". كيف أورثه مقامه والإمامة بالأمة بعده؟!.
فكان ذلك التأخر إلى خلفه وقد أومأ إليه أن:"أثبت مكانك"جمزًا وسعيًا إلى قدام؟ بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام، تنقطع فيها أعناق المطي! والله أعلم) [1] .
وقد ورد في رحمة الصغير وتوقير الكبير أحاديث كثيرة قال البخاري في: (الأدب المفرد) (ص:82/رقم:353/إلى:358) تحت عنوان: (باب: فضل الكبير) ، و (باب: إجلال الكبير) :
1 -حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن أبي صخر، عن أبي فسيط، عن أبي هريرة-رضي الله عنه-، عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا، فليس منا) [2] .
(1) -انظر: (المدارج) (2/ 384) لابن القيم، مع تصرف كبير مني.
(2) -أخرجه الحاكم في: (المستدرك) (4/ 197) ، والبخاري في: (الأدب المفرد) (ص:82/رقم:353) ، تحقيق: عادل سعد، الناشر مكتبة نزار مصطفى الباز-وهي النسخة التي عندي داخل السجن بزنزانتي الانفرادية، وصححه المحدث الألباني في: (صحيح الأدب المفرد) (رقم:271) .