الصفحة 37 من 51

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وقال: لا يعلم عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عائشة-رضي الله عنه-من غير هذا الوجه موقوفًا.

وقد ذكره أبو داود في:"مصنفه"فقال: حدثنا إسماعيل بن أبي خلفٍ: أن يحيى بن يمان أخبرهم عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، أن عائشة-رضي الله عنها-مرَّ بها سائلٌ فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب زاهية فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"أنزلوا الناس منازلهم".

قال ابن الأعرابي-رحمه الله تعالى-: قال أبو داود: ميمون لم ير عائشة-رضي الله عنها [1] -وعلى هذا فالحديث منقطع، فقد ظهر لأبي داود من هذا الحديث ما لم يظهر لمسلم! ولو ظهر له ذلك لما جاز له أن يستدل به [2] إلا أن يكون يعمل بالمراسيل، والله أعلم أن مسلمًا إنما قال: وذكر عن عائشة-رضي الله عنها-، وهو مشعر بضعفه، وأنه لم يكن عنده مما يعتمده.

ومعنى هذا الحديث: الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، فيعامل كل واحد منهم بما يليق بحاله، وبما يلائم منصبه في الدين والعلم، والشرف، والمرتبة.

فإن الله تعالى قد رتب عبيده وخَلقَه، وأعطى كلَّ ذي حق حقه، وقد قال-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) [3] .

وقال القرطبي في آخر كتاب الإيمان من كتاب: (المفهم) : (رواه مسلم(المقدمة-1/ 6) ، وأبو داود مرفوعًا من قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بلفظ:"أنزلوا الناس منازلهم"وفيه انقطاع) [4] .

ويروى عن أبي عمران الجَوْني قال: (كتب عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-إلى أبي موسى الأشعري: أنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائج الناس، فأكرم وجوه الناس) [5] .

وذكر الإمام السمعاني في كتابه: (أدب الإملاء والاستملاء) (ص:120) : (قال عبد الله بن أحمد بن حنبل-رحمهما الله-قلت لأبي: مالك لم تسمع من إبراهيم بن سعد، وقد نزل بغداد في جوارك؟ فقال: اعلم يا بني أنه جلس مجلسًا واحدًا، وأملى علينا، فلما كان بعد ذلك خرج، وقد اجتمع الناس، فرأى الشباب تقدموا بين يدي المشايخ، فقال:"ما أسوأ أدبكم! تتقدمون بين يدي المشايخ؟! لا أحدثكم سنة"، فمات، ولم يحدث) .

وحضر سفيان الثوري مجلس شاب من أهل العلم، وهو يترأس ويتكبر بالعلم على من هو أكبر منه، فغضب سفيان، وقال: (لم يكن السلف هكذا، كان أحدهم لا يدعي الإمامة، ولا يجلس في الصدر حتى يطلب هذا العلم ثلاثين سنة، وأنت تتكبر على من هو أسن منك؟ قم عني، ولا أراك تدنوا من مجلسي) [6] .

ولله در القائل:

يا عائبًا للشيوخ من أشَرٍ ‍ ... داخَلَه في الصبا ومن بَذَخِ

اذكر إذا شئت أن تُعيِّرهم ‍ ... جَدَّكَ واذكر أباك يا ابن أخِ

واعلم بأن الشباب منسلخٌ ‍ ... عنك وما وزره بمنسلخِ

من لا يعز الشيوخ لا بلغتْ ‍ ... يومًا بِه سِنُّه إلى الشيخ

واستأذن رجلان على معاوية-رضي الله عنه ولعن من يلعنه-فأذن لأحدهما، وكان أشرف منزلة من الآخر، ثم أذن للآخر، فدخل عليه فجلس فوق صاحبه، فقال سيدنا معاوية-رضي الله عنه-: (إن الله قد ألزمنا تأديبكم كما ألزمنا رعايتكم، وإنا لم نأذن له قبلك إلا ونحن نريد أن يكون مجلسك دونه، فقم لا أقام الله لك وزنًا) [7] .

(1) -انظر: (سنن أبي داود) (5/ 173/رقم:4842) ، و (المفهم) (1/ 126/رقم:6/و6 - باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم، ووجوب الكشف عمن له عيب من رواة الحديث) للقرطبي.

(2) -هذا الكلام فيه نظر، لأن مسلمًا لم يشترط في المقدمة ما اشترطه في: (صحيحه) ، فلو فعل لكان اعتراض القرطبي سليمًا ومهمًا، أمَا وقد ميز بين ما رواه في: (المقدمة) ، وما رواه في: (صحيحه) فلا وألف لا، وقد بينت هذا في كتابي: (شفاء التبريح ... ) (ص:51) تحت استفهام وسؤال هذا نصه: (هل ميز العلماء بين ما رواه مسلم في مقدمة:(صحيحه) وما رواه في (صحيحه) ، أم لا؟.

الجواب: قال ابن القيم في: (الفروسية) (ص:44) : (مقدمة كتاب مسلم لم يشترط فيها ما شرطه في الكتاب من الصحة، فلها شأن، ولسائر كتبه شأن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك) . انظر: (الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة) (ص:28\ 300) .

(3) -رواه البخاري في: (صحيحه) (رقم:3383) ، ومسلم في: (صحيحه) (رقم:2638/ 160) من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-.

(4) -انظر: (المفهم) (1/ 129) .

(5) -انظر: (الجامع) (1/ 348) للإمام الخطيب.

(6) -انظر: (المدخل) (ص:388) للبيهقي.

(7) -انظر: (صفوة الأخبار) (ص:264) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت