الصفحة 36 من 51

وقال سلمة بن كهيل: (كان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء لسنه) [1] .

ولله در القائل:

إن الأمور إذا الأحداث دبَّرها ‍ ... دون الشيوخ ترى في سيرها الخللا

والشأن في عصرنا كما قال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي-"وفيات الأعيان: 3/ 221":

متى يصل العطاش إلى ارتواء ‍ ... إذا استقت البحار من الركايا

ومن يَثني الأصاغر عن مراد ‍ ... وقد جلس الأكابر في الزوايا

وإن ترفُّغ الوضعاء يومًا ‍ ... على الرفعاء من إحدى الزوايا

وإذا استوت الأسافل والأعالي ‍ ... فقد طابت منادمة المنايا

وانتهى أبو منصور إبراهيم إلى زقاق، فقال له إبراهيم-رحمه الله تعالى-: ( ..(تقدم) ، فأبى أن يتقدم، فتقدم إبراهيم، ثم قال: (لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم، ما تقدمتك) [2] .

وعن مالك بن مغول-رحمه الله تعالى-قال: (كنت أمشي مع طلحة بن مصرف، فصرنا إلى مضيق، فتقدَّمني ثم قال لي: لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم، ما تقدمتك) [3] .

قال الفضل بن موسى-رحمه الله تعالى-: (انتهيت أنا وعبد الله بن المبارك إلى قنطرة، وقال لي:"تقدم"، فحاسبته، فإذا أنا أكبر منه بسنتين) [4] .

وعن حماد بن أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-قال: (رأيت الحسن بن عمارة وأبي انتهيا إلى قنطرة، فقال له أبي:"تقدم"، فقال: أتقدم؟! تقدم أنت، فإنك أفقهنا، وأعلمنا، وأفضلنا) [5] .

قال يعقوب بن سفيان-رحمه الله تعالى-: (بلغني أن الحسن، وعليًا، ابني صالح كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي فلم يُر قط الحسنُ مع علي في مجلس إلا جلس علي دونه، ولم يكن يتكلم مع الحسن إذا اجتمعا في مجلس) [6] .

قال الخطيب البغدادي-رحمه الله تعالى-: (وإن قدم الأكبر على نفسه من كان أعلمَ منه جاز ذلك، وكان حسنًا) ، ثم روى بإسناده إلى الحسين ين منصور-رحمه الله تعالى-قال: (كنت مع يحيى بن يحيى وإسحاق-يعني: ابن راهويه-يومًا نعود مريضًا، فلما حاذينا الباب، تأخر إسحاق، وقال ليحيى-رحمه الله تعالى-:"تقدم"، فقال يحيى لإسحاق:"تقدم أنت"، قال:"يا أبا زكرياء أنت أكبر مني"، قال:"نعم، أنا أكبر منك، وأنت أعلم مني"، فتقدم إسحاق) [7] .

وعن جرير-رضي الله عنه-قال: (لما بعث النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أتيته، فقال:"يا جرير لأي شيء جئت؟"قلت:"جئت لأسلم على يديك يا رسول الله"قال: فألقى إلي كساءه، ثم أقبل على أصحابه، وقال:(إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه) [8] .

ويروى عن سيدتنا الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها وعن أبيها-قالت:(أمرنا رسول الله-

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أن ننزل الناس منازلهم) [9] .

-قال القرطبي في: (المفهم) [10] : (قول عائشة-رضي الله عنها-:"أمرنا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أن ننزل الناس منازلهم": استدلال مسلم بهذا الحديث يدل ظاهرًا على أنه لا بأس به، وأنه مما يحتج به عنده، وإنما لم يسنده في كتابه، لأنه ليس على شرط كتابه، وقد أسنده أبو بكر البزار في"مسنده"عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة-رضي الله عنها-عن النبي-

(1) - انظر: (الجامع) (1/ 320) للخطيب.

(2) - انظر: (حرمة أهل العلم) (ص:295) .

(3) - انظر: (الجامع) (1/ 170/171) للخطيب.

(4) - انظر: (الجامع) (1/ 171) .

(5) - انظر: (الجامع) (1/ 171) .

(6) - انظر: (الجامع) (1/ 171) .

(7) - انظر: (الجامع) (1/ 171) .

(8) -رواه الطبراني في: (الكبير) (1/ 109) ، (2/ 304/رقم:2266) ، و (2/ 325/رقم:2358) ، والخطيب في: (تاريخ بغداد) (1/ 188) ، والحديث قواه الحافظ السخاوي في: (المقاصد) بطرقه، وقد فصل الكلام على تخريجه الشيخ المحدث الألباني في: (الصحيحة) (3/ 203/إلى:208/رقم:1205) .

(9) -أخرجه مسلم في: (مقدمة صحيحه) (1/ 6) تعليقًا بصيغة التمريض، فقال:"زيذكر عن عائشة ..."، وأبو داود بنحوه في: (سننه) (رقم:4842) ، وحاول تحسينه السخاوي في ترجمة: ابن حجر، و (المقاصد الحسنة) ، وسكت عليه في كتابه: (الإعلان بالتوبيخ) (ص:88) ، وكذا ابن علان في: (دليل الفالحين) (2/ 218) ، وضعفه غير واحد من العلماء ... ومن شاء أن يتوسع في تخريجه فعليه بـ (السلسلة الضعيفة) (رقم:1894) ، و (سنن ضعيف أبي داود) (رقم:1032) . وقد سبق الكلام على هذا الحديث في أول هذه الرسالة مختصرًا.

(10) -انظر: (المفهم) (1/ 125/126/رقم:6/و6 - باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم، ووجوب الكشف عمن له عيب من رواة الحديث) للقرطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت