3 -وتوقير ذوي الأسنان،
والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك من شرفه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، إنما الناس بأعلامهم، وعلمائهم، وذوي أسنانهم) [1] .
قال سمرة بن جندب-رضي الله عنه-: (لقد كنت على عهد رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-غلامًا، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول، إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني) [2] .
وسئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة، فقال: (إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا) [3] .
وقال إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين-رحمه الله تعالى-: (إذا حدثت في بلدة فيها مثل أبي مسهر، فيجب للحيتي أن تحلق) [4] .
قال الحسن بن علي الخلال-رحمه الله تعالى-: (كنا عند معتمر بن سليمان يحدثنا إذ أقبل ابن المبارك، فقطع معتمر حديثه، فقيل له: حدِّثنا، فقال: إنا لا نتكلم عند كبرائنا) [5] .
وعن عاصم-رحمه الله تعالى-قال: (كان أبو وائل عثمانيًا، وكان زر بن حبيش علويًا، وما رأيت واحدًا منهما قط تكلم في صاحبه حتى ماتا، وكان زر أكبرَ من أبي وائل، فكانا إذا جالسا جميعًا، لم يحدث أبو وائل مع زر-يعني يتأدب معه لسنه) [6] .
قال أبو عبد الله المُعَيطي-رحمه الله تعالى-: (رأيت أبا بكر بن عياش بمكة، جاءه سفيان بن عيينة، فبرك بين يديه، فجاء رجل يسأل سفيان عن حديث، فقال:"لا تسألني عن حديث ما دام هذا الشيخ قاعدًا"، فجعل أبو بكر يقول: يا سفيان، كيف أنت؟ وكيف عائلة أبيك) . وكان أبو بكر يكبر سفيان بعشر سنين [7] .
وقال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: (إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ، وإن كان قد بلغ من العلم مبلغًا، فآيس من خيره، فإنه قليل الحياء) [8] .
قال عقبة بن علقمة-رحمه الله تعالى-: سمعت إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-يقول: (كنا إذا رأينا الحدث يتكلم مع الكبار أيسنا من أخلاقه، ومن كل خير عنده) [9] .
وذكر يحيى أن الإمام مالكًا كان إذا رأى ازدحامهم في مجلسه، قال: (توقروا، فإنه عون لكم، وليعرف صغيركم حقَّ كبيركم) [10] .
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: (كنا نجلس إلى ربيعة وغيره، فإذا أتى ذو السن والفضل قالوا له:"هاهنا"، حتى يجلس قريبًا منهم، قال: وكان ربيعة ربما أتاه الرجل ليس له ذلك السن، فيقول له:"هاهنا"، فلا يرضى ربيعة حتى يجلسه إلى جانبه، كأنه يفعل ذلك لفضله عنده) [11] .
قال عبد الله بن أحمد-رحمه الله تعالى-:(رأيت أبي إذا جاء الشيخ والحدث من قريش أو: غيرهم من الأشراف لم يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيكونوا هم يتقدمونه، ثم يخرج من بعدهم.
وقال المروذي:"رأيته جاء إليه مولى ابن المبارك فألقى إليه مخدة وأكرمه، وكان إذا دخل عليه من يكرم عليه، يأخذ المخدة من تحته، فيلقيها له".
وقال المروذي-رحمه الله تعالى-:"كان أبو عبد الله من أشد الناس إعظامًا لإخوانه ومن هم أسن منه، لقد جاء أبو همام راكبًا على حمار، فأخذ له أبو عبد الله بالركاب، ورأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ") [12] .
(1) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 234/رقم:260) .
(2) -متفق عليه.
(3) -انظر: (السير) (8/ 420) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (2/ 55) .
(4) -انظر: (السير) (10/ 231) .
(5) -انظر: (الجامع) (1/ 321) ، و (حرمة أهل العلم) (285/ 293) .
(6) -انظر: (السير) (4/ 168) .
(7) - انظر: (السير) (8/ 499) .
(8) - انظر: (المدخل) للبيهقي (ص:388) .
(9) - انظر: (حلية الأولياء) (8/ 29) ط: دار الكتب العلمية.
(10) - انظر: (ترتيب المدارك ... ) (1/ 154) للقاضي عياض.
(11) - انظر: (الجامع) (1/ 345) .
(12) - انظر: (الآداب الشرعية، والمنح المرعية) (1/ 416) .