قال:"أدخل الرجل"، فدخلت، وسلمت، فصعَّد فيَّ النظر، ثم قال:"أنت لم تخلف ببغداد أحدًا أقرأ منك؟"، فسكتُّ، فقال لي:"اقعد، هات اقرأ"، قلت:"أعليك؟"، قال:"نعم".
قلت:"لا والله لا أقرأ على رجل يستصغر رجلًا من حملة القرآن"، ثم خرجتُ، فوجَّه إلى سُليم يسأله أن يردني، فأبيت، ثم ندمت، واحتجت، فكتبت قراءة عاصم عن يحيى بن آدم عن أبي بكر) [1] .
انظروا ماذا يفعل التسرع: يحطك من الأعلى إلى الأدنى، ومن العلو إلى النزول، فماذا يضيره لو صبر على كلام شيخه الذي لم يقصد به إهانته، التسرع حليف الخطأ ووليد الندم.
وقال معافَى بن عمران-رحمه الله تعالى-: (مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين-أي: سواري-الجامع) [2] .
وقال الإمام الشافعي: لسفيان بن عيينة-رحمهما الله تعالى-: (إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض، تغضب عليهم؟ يوشك أن يذهبوا ويتركوك، قال: هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خُلُقي) [3] .
قال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-:(كان يختلف إلى الأعمش رجلان، أحدهما كان الحديث من شأنه، والآخر لم يكن الحديث من شأنه، فغضب الأعمش يومًا على الذي من شأنه الحديث، فقال الآخر: لو غضب عليَّ كما
غضب عليك لم أعد إليه، فقال الأعمش: إذن هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خلقي) [4] .
وقال بكر بن عبد الله المزني-رحمه الله تعالى-: (إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي، فهو خير مني) [5] .
10 -قال ابن مسعود-رضي الله تعالى عنه-: (كان رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [6] .
وقد ترجم الإمام النووي-رحمه الله تعالى-لهذا الحديث بقوله: (باب: توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم) . انظر: (رياض الصالحين) (2/ 205 - مع دليل الفالحين) .
وقال ابن علان في: (دليله) (2/ 205) : (وظاهر تعبيره أنهم عند اجتماعهم يرتبون بترتيبهم في الذكر، فيقدم ذو العلم على ذي السن، وهو على من بعده) .
وقال عند قول النووي-رحمه الله تعالى-: (ورفع مجالسهم) : (وإن كانوا هم ينبغي لهم أن لا يطلبوا رفعها تواضعًا، واتباعًا لحديث:"كان-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يجلس حيث ينتهي به المجلس"-2/ 205 - دليل الفالحين) .
وقال أيضًا في المصدر نفسه (2/ 209) :(وفيه-كما قال المصنف-تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام، لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام عن السهو ما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، ويتعلموها، ويعلموها الناس، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة.
بل: السنة تقديم أهل الفضل في كل مجمع إلى أمام، وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء والذكر والتدريس والإفتاء
واستماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل [7] والشرف والسن والكفاية في ذلك الباب، والأحاديث متعاضدة على هذا).
احذر أيها الطالب أن تكون في بداية الطلب أنا وأنا، وأنتم وأنتم، تقول:
أنا العالم وأنتم الجهال!!،
(1) -انظر: (سير أعلام النبلاء) (10/ 579/580) .
(2) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 223) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:225) .
(3) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 223) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:226) .
(4) -انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 223) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:226) .
(5) -انظر: (صفة الصفوة) (3/ 248) لابن الجوزي.
(6) -أخرجه مسلم في (صحيحه) (رقم:432) ، وأبو داود (رقم:674) ، والنسائي (2/ 90) .
(7) -العقل لغة: المنع لمنعه صاحبه من العدول عن سواء السبيل، واصطلاحًا: غريزة يُهيأ-يُتهيأ-بها لدرك العلوم النظرية، ويقال: إنه نور يقذف في القلب، وقيل في تعريفه غير هذا. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) ، و (فتح الوهاب بشرح الأدب) (رقم:55) كلاهما للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.