الصفحة 30 من 51

استناب نافع بن عبد الحارث مولاه عبد الرحمن بن أبزى الخزاعيَّ-رضي الله عنه-على مكة حين تلقى عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-إلى عسفان-موضع بين الجحفة ومكة، وهو على مرحلتين من مكة-فقال له:"من استخلفت على أهل الوادي؟"-يعني مكة-قال:"ابن أبزى"، قال:"ومن ابن أبزى؟"، قال: (مولى ابن عبد الرحمن) فغضب عمر لما سمع أنه ولى على الناس مولىً، فقال له نافع:"إنه عالم بالفرائض، قارئ لكتاب الله"، قال عمر:"أما إن نبيكم-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال: إن هذا القرآن يرفع الله به أقوامًا، ويضع به آخرين" [1] .

وزاد الذهبي في: (السير) (3/ 202) : أن عمر-رضي الله عنه-قال: (ابن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن) . كما في: (حرمة أهل العلم) (ص:282) .

وممن رفعهم القرآن الكريم: كبار أئمة التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-وفي كل واحد منهم عيب:

1 -فعَبيدة أعور،

2 -ومسروق أحدب،

3 -وعلقمة أعرج،

4 -وشريح كوسج-أي: الذي لا شعر على عارضيه، ويقال: النقي الخدين من الشعر-.

5 -والحارث أعور،

رفعهم حفظ القرآن وتعلمه وتعليمه [2] .

وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: (من تعلم القرآن عظمت قيمته) [3] .

وقال يحيى بن معين-رحمه الله تعالى-: بلغني أن الأعمش-رحمه الله تعالى-قال: (أنا ممن رفعه الله تعالى بالقرآن، لولا القرآن لكان على رقبتي دَنُّ-وعاء ضخم-صحناء-السمك الصغار-أبيعه) [4] .

وقال أيضًا-رحمه الله تعالى-: (لولا القرآن وهذا العلم عندي، لكنت من بقالي الكوفة) [5] .

وممن رفعه الله بالقرآن: أبو العالية رفيع بن مهران الإمام المقرئ الحافظ المسند، وكان مولى لامرأة، قال رحمه الله: (كان ابن عباس يرفعني على السرير-يعني: سرير دار الإمرة، حين تولاها ابن عباس لعلي-رضي الله عنهم-وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويُجلسُ المملوكَ على الأسرة!) [6] .

قال يعقوب الفسوي-رحمه الله تعالى-: (سمعت أحمد بن يونس، وذكروا له حديثًا أنكروه من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، فقال: كان الأعمش يضرب هؤلاء، ويشتمهم، ويطردهم، وكان يأخذ بيد أبي بكر، فيجلس معه في زاوية لحال القرآن) [7] .

وقال الحسين بن فَهم-رحمه الله تعالى-: (ما رأيت أنبل من"خلف بن هشام"، كان يبدأ بأهل القرآن، ثم يأذن لأصحاب الحديث) .

وكان لا يرى استصغار حامل القرآن، بل: لا بد من توقيره، فإن معه أعظم وأفضل ما يُرفع به الناس، ولو كان حامل القرآن صغير السن بالنسبة لكبار القراء.

فعن أحمد بن إبراهيم، ورَّاق خلف بن هشام أنه سمع خلفًا -رحمه الله تعالى-يقول: (قدمت الكوفة، فصرتُ إلى سليم بن عيسى، فقال لي:"ما أقدمك؟"، قلت:"أقرأ على أبي بكر بن عياش"، فقال:"لا تريده؟"، قلت:"بلى"، فدعا ابنه، وكتب معه إلى أبي بكر، ولم أدر ما كتب، فأتينا منزل أبي بكر، قال ابن أبي حسان: وكان لخلف تسع عشرة سنة، فلما قرأ الورقة،

(1) -رواه مسلم في: (صحيحه) (رقم:817) ، وابن ماجه في: (سننه) (رقم:218) ، والدارمي في: (سننه) (2/ 443) .

(2) -انظر: (سير أعلام النبلاء) (4/ 56) . ولفظه: (روى ابن عون عن محمد قال: كان أصحاب عبد الله خمسة كلهم فيه عيب ... ) .

(3) -انظر: (تهذيب سير أعلام النبلاء) (2/ 734) .

(4) -انظر: (الحث على حفظ العلم) للعسكري (ص:18) .

(5) -انظر: (السير) (6/ 208) .

(6) -انظر: (السير) (4/ 208) .

(7) -انظر: (السير) (8/ 500) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت