الصفحة 29 من 51

8 -وعن مالك بن الحويرث-رضي الله تعالى عنه- قال:(أتينا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ونحن شَبَبَة متقاربون-أي: متقاربون في السن-، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-رحيمًا رفيقًا، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال:

"ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم) [1] ."

9 -وعن ابن مسعود-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواءً فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا ... ) [2] .

قال ابن علان في: (دليل الفالحين) (2/ 208) في قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:"فليؤمهم أكبرهم سنًا": (لأنه أقرب إلى التوجه إلى المولى، وأكثر عروضًا عن الدنيا، وتوجهًا إلى الدار الآخرة) .

وقال القاسمي في: (محاسن التأويل) (9/ 3576/3577) عند قوله تعالى: (قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا) [3] :

(الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقًا يُتوسل به، كما توسلوا بكبر يعقوب، وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ) .

وقديمًا كان علماء السلف يوصون أبناءهم وطلبتهم بالأدب مع شيوخهم وكبراء القوم، وهذا نموذج من تلك الوصايا الكثيرة-تجدها في كتاب: (من أدب الإسلام) (ص:190) ملحق بتحقيق رسالة (المسترشدين) للمحاسبي-:

(اعرف للكبير قدره وحقه، فإذا ماشيته فقدمه عليك في الدخول والخروج، وإذا التقيت به فأعطه حقه من السلام والاحترام، وإذا اشتركت معه في حديث فمكنه من الكلام قبلك، واستمع إليه بإصغاء وإجلال، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدب وسكينة ولطف، وغُضَّ من صوتك في حديثك إليه، وإذا خاطبته أو: ناديته فلا تنس تكريمه في الخطاب والنداء) .

أما في المشاورة فشاور العلماء والقراء وأصحاب التجربة من المحنكين والمجربين: الكبير منهم والصغير-على حد سواء، وإنما العبرة بما يقول ويُشير-وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-:(كان القراء أصحاب مجالس عمر-رضي

الله عنه-ومشاورته، كهولًا كانوا أو: شبانًا) [4] .

ومن كلام محمد بن عبدالباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلمه ووصاياه-: ( ... من خدم المحابر خدمته المنابر:(يجب على المعلم ألا يعنف، وعلى المتعلم أن لا يأنف) [5] .

ومع ذلك أقول: طالب العلم المخلص المجِدّ يجب عليه: (أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو: سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته، وحسن عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجبَ إليه، ويجعل العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته) [6] .

وعن عباد أبي محمد البصري قال:(تُوَسَّع المجالس لثلاثة:

1 -لحامل القرآن،

2 -ولحامل الحديث،

3 -ولذي شيبة في الإسلام) [7] .

(1) -قال الشيخ محمد المقدم في كتابه: (حرمة أهل العلم) (ص:289) : يقدم الأكبر سنًا في الإمامة على من ليس بأقرأ ولا أفقه، ولا أقدم هجرة، ولا أقدم إسلامًا على الترتيب، لقول النبي_صلى الله عليه وعلى آله وصخبه وسلم-: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلمًا-وفي رواية: سنًا ... ).

وإنما جعل-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في حديث مالك بن الحويرث للأكبر سنًا، لأنه رضي الله عنه وأصحابه كانوا متساوين في الهجرة، والإقامة، وغرضهم بها، ومع ما في الشباب غالبًا من الفهم، وهذا دال على استوائهم في القراءة والتفقه في الدين-فتح الباري:2/ 170).

وحديث مالك أخرجه البخاري (1/ 155) ، ومسلم (1/ 465/466) ، انظر تخريجه في كتابي: (حكم الصلاة خلف الإمام المبتدع) (ص:42) -والمعتمد على الطبعة الثانية، أما الأولى فقد صححت فيها وغيرت كثيرًا-تأمل.

(2) -رواه مسلم في: (صحيح مسلم) (1/ 465) ، وأبو داود في: (سننه) (1/ 390/391) ، والترمذي في: (جامعه) (1/ 458/459) ، وقال: (حديث حسن صحيح) ، والنسائي في: (سننه) (2/ 76/77) ، وابن ماجه في: (سننه) (1/ 313/314) .

(3) - (يوسف:78)

(4) -رواه البخاري في: (صحيحه) (8/ 3040 - الفتح) .

(5) -انظر: (المنتظم) لابن الجوزي (10\ 92) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (11/ 641/رقم:260) .

(6) -انظر: (جامع بيان العلم) (1/ 521) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:224) .

(7) -انظر: (الجامع) (1/ 344) للخطيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت