ثمَّ اعلموا أن الهُدى لاَ يُثْبِتُهْ ... إلا البَلاَءُ الكَاشِفُ وَالفارقُ
ثُمَّ انظُرُوا للرُّسْلِ في الحقِّ ابتُلُوا ... هُمْ أُسْوَةٌ إن يَسْكُتُوا أو: ينطِقُوا
ثُمَّ السَّلَفْ قَدْ كَابَدُوا سَوْطَ البَلاَ ... قَبْلَ العُلاَ ذَا المُقْتَضَى والمنطِقُ
ثُمَّ الثَّوَابُ الأَعْظَمُ لاَ يَحْصُلَنْ ... إلا بذلكْ، والجزاء الأَوْفَقُ
ثُمَّ الإلَهُ الأَكْرَمُ دَومًا يُحِبْ ... للعبْدِ من أهل التُّقَى ذا مُطْلَقُ
إن تَسْمَحُوا فَالخَتْمُ هَا قَدْ حَصَلْ ... أَوْ تَرْفُضُوا فالْعَوْدُ أيْضًا لاَئِقُ) [1]
أخي الفاضل الأردني الحبيب: أريد أن أهمس في آذانكم أننا كلنا ذلك الرجل، نفس العقليات التي عندكم عندنا، ولا يخفى عن أُخوتكم ما صح في: (سنن أبي داود) من حديث أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-مرفوعًا: (من أقال مسلمًا أقال الله عثرته) [2] .
وفي رواية من حديث أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق-رضي الله عنها، وعن أبيها-مرفوعًا: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) [3] .
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي-رحمه الله تعالى-: (ذوو الهيئات الذين يُقالون عثراتهم الذين ليسوا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة) [4] .
وقال العز بن عبد السلام-رحمه الله تعالى-: (لو رُفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها، بل: يقيل عثرتهم، ويستر زلتهم، فهم أولى من أقيلت عثرته، وسترت زلته) [5] .
قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: (الظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأُديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل: تقال عثرته ما لم يكن حدًا من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع) [6] .
قال الحافظ ابن رجب-رحمه الله-: (ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله-وهو مما يختص به العلماء-ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها) [7] .
قال الإمام السبكي-رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه آمين-: (فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعُوِّد منه ومن أمثاله، بل: ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله) [8] .
قالت أم الفضل-عفا الله عنها-: (وشبابنا المتسرع والثائر بدون ضوابط محتاج(إلى) أن تكون عنده قواعد عامة-يقف عندها-في الحكم على الآخرين من المخالفين والمخطئين، حتى لا ينحرف عن المنهج الصحيح في تقويم المخالف، وينجرف إلى طريق الغلاة والمتنطعين، وقد عبر عنها وصاغها وجعلها قواعد عامة كثير من العلماء الأفذاذ قال شيخنا أبو الفضل عمر بن مسعود بن عمر ابن حدوش الحدوشي-فك الله أسره-في كتابه القيم المسمى: (ذاكرة سجين مكافح) :
( ... مثل قولهم:
1 -القاعدة الأولى: (استحضار الخوف من الله عز وجل عند الكلام في الآخرين نصب عينيك) .
(1) -قال شاعرنا أبو أحمد محمد الزهيري-وهو المشهور ببيرق التوحيد-:
(إن تسمحوا فالختم حتمًا قد حصلْ)
ليستقيم الوزن.
أو: ترفضوا فالعود فيهِ الرونقُ
للتخلص من عيب القافية.
(2) -رواه أبو داود في: (سننه) كتاب الحدود (4/ 133/رقم:3460 - بإسناد حسن) ، وابن ماجه في: (سننه) (رقم:2199) ، والبيهقي في: (السنن الكبرى) (6/ 27) ، وصححه جماعة من الحفاظ والمحدثين منهم:
1 -ابن حبان في: (صحيحه) (رقم:1103) ،
2 -والحاكم في: (مستدركه) (2/ 45) ،
3 -وابن حزم،
4 -وابن دقيق العيد وغيرهم، انظر كلام الحافظ ابن القطان عنه في: (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام) (2/ 93/94/رقم:65) ، و (2/ 449/رقم:451)
(3) -أخرجه أبو داود في: (سننه) (رقم:3475) ، والإمام أحمد في: (مسنده) (6/ 181) ، والبخاري في: (الأدب المفرد) (رقم:465) ، وابن حبان في: (صحيحه) (رقم:1520) ، وصححه:
1 -المحدث أحمد شاكر،
2 -ومحققو (المسند-مؤسسة الرسالة) ،
3 -والمحدث الألباني في: (الصحيحة) (رقم:638) . وغيرهم.
(4) -أخرجه البيهقي في: (السنن الكبرى) (8/ 334) .
(5) -انظر: (قواعد الأحكام) (1/ 150) .
(6) -انظر: (بدائع الفوائد) (3/ 139) .
(7) -انظر: (جامع العلوم والحكم) (1/ 223/224) .
(8) -انظر: (مدارج السالكين) (3/ 522) ، و (اعتذارات الأئمة) (ص:63) لخليل بن عثمان السبيعي.