والحق أن الناس اليوم غابت عنهم حقيقة هذا الدين العظيم، ومثل كثير منهم -حتى الذين يقيمون الشعائر التعبدية- كمثل الأعمى الذي أمسك بذنب الفيل ويحسب أنه يمسك بين يديه جسم الفيل، حتى إذا طلبت منه أن يصف لك الفيل انبرى يصوره بأنه شعرات مرتبطة بعضلة قاسية، ولو اجتمع أهل الأرض لإقناعه أن الفيل سوى ذلك ما استطاعوا أن يصرفوه عن ظنه.
وقد أصبح اليوم لدينا شيء مألوف أن نرى شخصا يداوم على العبادات وهو في نفس الوقت يزاول أعمالا تخرجه من إطار هذا الدين، كالاستهزاء بسنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بفرضية وردت في محكم التنزيل، وهو لا يعلم أنه بالاستهزاء إنما يهزأ من أوامر الله، ويسخر منها، وهذا الذي اتفق أهل الذكر من هذه الأمة، أنه يعني ردة المستهزئ وخروجه من الإسلام.
ومن هذا القبيل سب الدين، أو سب الله أو رسوله، فمن فعلها حكم عليه بالردة، وقد قال بذلك مالك والشافعي وأحمد والليث وإسحق مستندين إلى قوله تعالى:
{ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } (1) . (التوبة: 12) .
(1) راجع الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) . تفسير آية: (وطعنوا في دينكم) .