وقال الخطابي: (قد يستشكل هذا فيقال: كيف يُغفر له وهو منكرٌ للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل أنه إذا فعل به ذلك لا يُعاد فلا يعذَّب وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله) .ذكره ابن حجر في فتح الباري (6/ 604) .
وذكر قول ابن قتيبة: (قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك) أهـ.
وفي قول شيخ الإسلام عن ذلك الرجل: (لم يكن عالمًا بجميع ما يستحقه الله من الصفات وبتفصيل أنه القادر ... ) ،وقول الخطابي: (أنه لم ينكر البعث) ؛ ما يبين أن الأمر ليس كما ذهب إليه بعض أهل التجهم والإرجاء من دعوى أن هذا الرجل أنكر البعث مطلقًا، ثم يستدل بقوله تعالى: (( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ) )ومن ثم توجيه وتعميم إعذاره بالجهل في إنكار البعث مطلقا، لينتقل بذلك إلى إعذار الطواغيت المشرّعين والحكام المرتدين المحاربين للدين المتولين لأعدائه، الذين قد خرجوا من دين الله من أبواب عديدة .. !! فلا شك أن هذا من تحميل الدليل ما لا يحتمله، فالرجل كما هو ظاهر لم يكن منكرًا لقدرة الله على البعث، وإنما دخله الجهل في سعة هذه القدرة وتفاصيلها، وأنه سبحانه قادر على جمع ما ذرّته الرياح. وتفرق في الأنهار والبحار من رماده وبعثه، وهذا التفصيل تحار فيه العقول، وقد يخفى وتذهل عنه الأذهان، خصوصا مع شدة الفزع والاندهاش في سكرات الموت، وهو مما لا يعرف إلا من طريق الحجة الرسالية، فلا يحل مماثلة الخطأ أو الجهل في مثل هذا الأمر الخفي، وتنزيل العذر فيه وإلحاقه بالشرك الأكبر الواضح المستبين، والردة الصريحة المضاف إليها محاربة الدين، وغير ذلك من الكفر البواح الذي ارتكس في حمأته طواغيت الحكم، مناقضين بكفريّاتهم أظهر وأصرح وأشهر أمور الدين التي بعث بها الرسل كافة.
فوالله الذي لا إله إلا هو لا يساوي أو يماثل بين خطأ هذا الرجل الموحد وبين طوام القوم؛ إلا المطففون الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، المتلاعبون بالأدلة، الذين يلوون أعناقها ويتلاعبون بدلالاتها،