وإذا أُورد عليه التسوية بين عباد القبور وعباد الأوثان وعدم عذر أحد منهم بالجهل، جعل الفرق الانتساب إلى الإسلام، وبسبب هذا الانتساب يحكم بكفر عابد الوثن، وبإسلام عابد القبر.
والانتساب إلى الإسلام إن أُريد به الانتساب إلى الإسلام وحده دون سائر الشرائع، فهو حكم لا دليل عليه، وإن أُريد به الانتساب إلى دين الله عز وجل، سواء كان الانتساب إلى الإسلام الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم، أو إلى اليهودية أو النصرانية أو غيرها من الأديان التي بُعث بها الرسل، لزم صاحب هذه المقالة أن يحكم بإسلام جهال اليهود والنصارى وغيرهم لأنهم منتسبون إلى دين الله الذي أمرهم باتباعه، ووقعوا في نواقض له عن جهل، ومن عذر هؤلاء كفر وخرج من الملة، وكذّب الصحيح الصريح من الأدلة.
بل يلزمه أن يحكم بإسلام مشركي قريش قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم على دين إبراهيم فيما يزعمون ويظنون، وكان عندهم بعض الشعائر منه والأحكام كالحج والختان وتعظيم المشاعر، ويقرون بالله ربًّا لا شريك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، ولكنهم يشركون مع الله غيره لتقربهم إلى الله معتقدين أن الله أذن له بالنيابة عنه والوساطة بينه وبين خلقه تعالى الله عما يزعمون، وعباد القبور مثلهم في كل هذا، إلا أن عباد القبور ينتسبون إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بدل انتساب الجاهليين إلى إبراهيم، ثم هم وإياهم سواء في كل شيء، ولا ينفع عباد القبور اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم أو التزامهم بعض شرائع دينه، كما لا ينفع كفار قريش اتباعهم إبراهيم أو التزامهم بعض شرائع دينه.
فالانتساب إلى الإسلام يُقابله الانتساب إلى ملة إبراهيم، وبعض الشرائع التي يتعبدون بها تقابلها شرائع، والكثرة والقلة لا تؤثر في ثبوت الإيمان والكفر، والإقرار بالربوبية لله يُقابله إقرار أولئك بالربوبية، وكل من الفريقين كافرٌ بالله خارج من الملة مارق من الدين، وإن كان انتسب إلى دين صحيح وارتد عنه من أول نشأته كما هو حال كثير من القبورية ومن الجاهليين، وبعد أن سبق ذلك إسلام الفطرة كما هو حال بعض القبوريين وأوائل من ارتد من الجاهليين.
بل حتى زعم القبوريين أنَّ ما يفعلونه من أمر الله ورسوله، يُقابله قول المشركين في الجاهلية كما حكى الله عز وجل عنهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ، وهذا حجة غالب المشركين من عباد القبور اليوم، بل قد لقيت من كبار مشايخ أهل الشرك المعمرين، من يحتج بحجة الكفار الأولين بعينها، ويقول ليس لك أن تنكر ما عليه الناس لأنَّهم أخذوه عن آبائهم، وآباؤهم لا شك أنَّهم أخذوه عن آبائهم، وأخذه الخلف عن السلف، ثم هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!، وهذا عين ما في الآية من احتجاج المشركين