لَكِنَّ هَذَا أَخْفَى مِنْ الْأَوَّلِ فَمَنْ أَنْكَرَهُ عَنْ جَهْلٍ عُرِّفَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إنْكَارِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ) [مجموع الفتاوى ج 1/ 153] .
ففي هذه النصوص دلالة واضحة على أن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ يفرق في مسألة التكفير بين المسائل الظاهرة، فكفر صاحبها ظاهر واضح للخاصة والعامة، وبين مسائل خفية صاحبها قد يكون مخطئا ضالا، وضابط هذه المسائل الخفية هو أنه ما خفيت فيه طرق العلم، ولم يكن من دعائم الدين، أو كان أمرا يسيرا من أمور الفروع.
وهذا الذي ذكرنا لك ـ أيها القارئ ـ عن شيخ الإسلام بن تيمية ـ رحمه الله ـ هو الذي فهمه كبار العلماء من كلامه، ممن هم أدري بكلامه رحمه الله من كثير من المعاصرين، الذين يختطفون بعض نصوصه ويتركون بعضها الآخر.
ـ يقول الشيخ حمد بن عتيق ـ رحمه الله ـ وهو من"علماء الدعوة النجدية"مقررا مذهب ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، في مسألة تكفير المعين قال عليه رحمة الله: ـ
(مسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين، إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
وهذا في المسائل الخفية، التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورا كفرية، من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرا، ولا يحكم على قائله بالكفر، لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنقض النص، أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها؛ ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه في كثير من كتبه.
وذكر أيضا تكفير أناس من أعيان المتكلمين، بعد أن قرر هذه المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال بعدم التكفير؛ وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر قائله) [الدرر السنية ج 13/ 433] .
ـ ويقول الشيخ أبا بطين مفتي الديار النجدية ـ رحمه الله ـ معلقا على كلام ابن تيمية في التفريق بين المسائل الظاهرة والخفية: