انظر لهذا النقل فالجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر، والمقصود الجهل بتوحيده، والدليل على ذلك: قوله أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم.
ومن المعلوم بيقين أن الإقرار هنا: هو الإقرار بتوحيد الإلهية لا بتوحيد الربوبية فقط، الذي لا يفرق بين الموحدين والمشركين.
إذًا فالجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر، لكن قبل الخبر ينقص النعمة ولا يزيد، ومحرم على أصحابه دخول الجنة، وإن ماتوا على ذلك لا يصلى عليهم، ولا يستغفر لهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين لأنهم مشركون وليسوا بمسلمين، إلا أنهم لا يعذبون في الدارين إلا بعد إقامة الحجة الرسالية، وهذا هو الكفر بعد الخبر، وهو الكفر المعذب عليه، وكما أنهم لا يعذبون فهم أيضًا لا ينعمون.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته، ودعاه مخلصًا له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره، كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالًا من المشرك، فلا بد من عبادة الله وحده، هذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينًا غيره.
ولكن لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك، ولا مستكبر عن عبادة ربه.
فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولًا».
فمن هذه النقول للشيخ تبين: أنه لا يحكم بالإسلام للمشرك الجاهل ألبتة، إلا أنه لا يحكم عليه بالعذاب في الدارين إلا بعد إقامة الحجة الرسالية وهم قبلها مشركون، وليسوا بمسلمين.
قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها، ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس وإلا وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءً لما في الصدور، وبيانًا للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة، حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، إما ألا يعرفوا اللفظ، وإما أن