ومِن عدل الله وحِكمته أن أرسل الرُّسُل ، وأنْزَل الكُتب ، وأقام البيّنات ، ونَصَب الأدلّة على وحدانيته .
فأيّد رُسُله بالمعجزات والآيات الباهرات ، فلم يَبْق أمام أعداء الرُّسُل - بل وأعداء العَقْل - إلا المكابَرة والمعانَدة .
فإن إنكار الوحدانية لله دَفْع بِالصَّدْر ، وضَرب بالوجْه .
فإن النفوس شاهدة بأن الله ليس له شريك .
بل الوجود أجمع شاهد بذلك .
وقد ضرب الله الأمثلة على ذلك ، فمن ذلك قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء:22] أي لو كان في الأرض والسماء آلهة مُتعددة لَفَسَدتِ السماوات والأرض ، فالعقل والمنطق يقول: إما أن يتغلّب إله على إله على آخر ، فيكون الغالِب هو المتفرِّد ، وإما أن يَذهب كل إلهٍ بما له من مُلك ومكان وخَلْق ، وهنا يَفسد أمر السماوات والأرض ، ولذا قال رب العزة سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون:91]
ومِن هنا فإننا ندعو كل إنسان مُنصف عاقل أن يتأمل في هذا المعنى ، وأن يَعلم أن دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لم تَخرج عن دعوات الأنبياء السابقين ، بل هي مُنتظمة في سِلكهم ، سائرة في طريقهم ، مُقتفية آثارهم ، ومن هنا قال رب العزة سبحانه: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف:9] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أولى الناس بابن مريم ، والأنبياء أولاد علات ، ليس بيني وبينه نبي . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة . قالوا: كيف يا رسول الله ؟ قال: الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، فليس بيننا نبي .