الصفحة 4 من 25

واعلم أن الجهاد في سبيل الله تعالى نوعان

أحدهما جهاد الطلب

وهو فرض كفاية، إن قام به من تحصل بهم مقاصد هذا النوع، سقط التكليف به عن سائر أهل الإسلام، وإن لم يقم به أحد، أثموا جميعا، وسلط الله عليهم الهوان، وعوقبوا بزوال النعم، وحلول النقم، وظهور الأعداء، وذهاب ما هم فيه من العز، عياذا بالله تعالى.

وهدف هذا النوع هو قتال من يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله تعالى، وهذا التعريف أوضح وأبين وأدل على مقصود جهاد الطلب، من قول من عرفه بأنه قتال من يمنع انتشار الدعوة الإسلامية.

ذلك أن الله تعالى شرع الجهاد لتكون كلمة الله تعالى هي العليا في الأرض كلها كما قال تعالى (ويكون الدين كله لله) ، وبتعبير عصري يكون النظام الدولي خاضعا لشريعة الله تعالى، بمعنى أن يكون لدين الإسلام اليد العليا على العالم أجمع، وإنما يكون ذلك، إذا كانت دولة الإسلام هي الظاهرة في الأرض على سواها، وشأنها هو الأعلى على كل ما عداها، هذا هو مقصد جهاد الطلب قال تعالى (وأنتم الاعلون أن كنتم مؤمنين) .

فمن قاتلنا ليمنعنا من تحقيق هذا المقصد الإلهي، قاتلناه، وذلك في الأرض كلها.

والدليل على هذا الحكم الإلهي قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله) ، وقال (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) .

كما يدل عليه الإجماع القديم، فقد عمل الصحابة رضي الله عنهم بهذه الآية، فقاتلوا من يليهم من الكفار حتى بلغوا أقاصي الأرض، فلم يذروهم حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية، وإنما هي أعني الجزية تعبير عن الإقرار منهم بعلو كلمة الإسلام عليهم، وظهور شريعة الله تعالى على دولتهم، وبهذا تذل راية الكفر ويكون شأنها خاسرا، وينقلب دين الشيطان صاغرا، وتنجو البشرية من كيد إبليس الرجيم، وتنعم بالهدى والرحمة في ظلال هذا الدين القويم.

ومما يدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم (اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولاتمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فإيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) [رواه مسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة رضي الله عنه] .

ومما ينبغي التنبيه عليه، أن هذا النوع لا يسقط إن رفض الحاكم نصب رايته، بل هو شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، غير أنه يسقط في حالة العجز فقط، لقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت