ويجب على المسلمين أن يعدو العدة للقيام بهذا الواجب، ويرفعوا عنهم حالة العجز عن القيام به، فإن فرطوا في ذلك أثموا جميعا، لان في تفريطهم إعانة منهم على سقوط هيبة دينهم، وغلبة الكفار عليهم.
قال في مغني المحتاج (للكافر حالان، أحدهما يكونون ببلادهم مستقرين بها، غير قاصدين شيئا من بلاد المسلمين، ففرض كفاية ... ) [4209] .
وقال ابن قدامة في المغني (الجهاد من فروض الكفايات في قول عوام أهل العلم) [10364] ، ويعني جهاد الطلب.
وقال الشوكاني في السيل الجرار (الأدلة الواردة في فرضية الجهاد كتابا وسنة أكثر من أن تكتب هاهنا، ولكن لايجب إلا على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقبل أن يقوم به البعض هو فرض عيني على كل مكلف) [4515] .
وقال (وأما غزو الكفار، ومناجزة أهل الكفر، وحملهم علىلاسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل، فهو معلوم من الضرورة الدينية ... وما ورد في موادعتهم، أو تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين، بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال، مع ظهور القدرة عليهم، والتمكن من حربهم، وقصدهم ديارهم) [المصدر السابق 4518] .
وعامة العلماء على أن هذا الواجب يتحقق بأن يغزو المسلمين الكفار في عقر دارهم مرة في العام على الأقل، قال في مغني المحتاج (أقل الجهاد مرة في السنة، كإحياء الكعبة، ولقوله تعالى(أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) قال مجاهد نزلت في الجهاد، ولفعله صلى الله عليه وسلم منذ أمر به، ولان الجزية تجب بدلا عنه، وهي واجبة في كل سنة فكذا بدلها، ولانه فرض يتكرر، وأقل ما وجب المتكرر في كل سنة كالزكاة والصوم، فإن زاد على مرة فهو أفضل) [4209] .
وقال بعض العلماء، يجب كلما أمكن، قال ابن حجر (ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه، ولاتجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا، فليكن بدلها كذلك، وقيل يجب كلما أمكن، وهو قوي) [فتح الباري 638] .
وأما النوع الثاني من نوعي الجهاد فهو جهاد الدفع
وهو الذي يدفع به عدوان الكفار على أرض الإسلام، أوعلى دماء المسلمين أو أعراضهم أو حرماتهم، وهو فرض عين على كل قادر محتاج إليه لرد العدوان، والدليل عليه قوله تعالى (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) ، فلا يجوز لاحد في موضع عدوان الكفار على المسلمين، أن يتخلف عن بذل مهجته لدفع عدوان الكافرين على المسلمين، فإن لم يغن أهل ذلك الموضع، واحتيج إلى مدد آخر، وجب على من يليهم أعانتهم على عدوهم، فإن لم يغنوا، وجب على من يليهم، وهكذا حتى يجب ذلك على آخر نفس من المسلمين.
ولا يجوز للمسلمين بإجماع العلماء، أن يسلموا أمرهم طواعية إلى الكفار، أو أن يرضوا بعلو الكافرين على المسلمين، أو يقروهم على احتلال الأرض التي ظهرت عليها يد الإسلام، فإن لم يكن للمسلمين طاقة بقتال الكفار، هادنوهم ريثما