كان الحسن البصريّ إذا أخبر عن أحد بصلاح، قال: كيف عقله؟ ثم يقول: ما يتم دين أمرئٍ حتّى يتم علقه.
روى أنه أهبط الله عزّ وجل آدم إلى الأرض، أتاه جبريل، فقال: ياآدم! إن الله تعالى قد أحضرك ثلاث خصالٍ لتختار منهنّ واحدة، وتخلّى عن اثنتين.
قال: وما هنّ؟ قال: الحياء والدين والعقل: قال آدم: إنى اخترت العقل.
قال جبريل للحياء والدين: ارتفعا فقد اختار العقل، قالا: لا نرتفع، قال: ولم عصيتما؟ قالا: لا، ولكنا أمرنا ألاّ نفارق العقل حيث كان.
كان يقال: لا تعتمدّ بمن ليس له عقدهٌ من عقل.
قال بعض الحكماء: وكّل الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل، ليعتبر العاقل فيعلم أنّ الرزق ليس عن حيلة.
قيل لزرعة بن ضمرة: متى عقلت؟ قال: يوم ولدت. قيل: وكيف ذلك؟ قال: منعت الثّدى فبكيت، وأعطيتها فسكتّ.
قال الحسن: لأنا للعاقل المدبر، أرجى منّى للأحمق المقبل.
قال الأوزاعى: قيل لعيسى عليه السلام يا روح الله! أنت تبرئ الأكمه والأبرص وتحيى الموتى بإذن الله، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعيانى.
قال قيس بن الخطيم:
وبعض الداء ملتمسٌ دواه ... وداء النوّك ليس له دواء
وقال آخر:
جنونك مجنون ولست بواجدٍ ... طبيبًا يداوى من جنون جنون
وقال آخر:
قالوا جننت بمن تهرى فقلت لهم ... ما لذّة العيش إلاّ للمجانين
الحبّ لا يستفيق الدّهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين
كان يقال: الأحمق بشأنه أعلم من العاقل بشأن غيره.
قال زيد بن أسلم، قال لقمان لا بنه: يا بنّي لئن يقصيك الحكيم خيرٌ من أن يدنيك الأحمق.
قال عمر بن عبد العزيز: خصلتان لا تعدمك إحداهما من الأحمق، أو قال من الجاهل: كثرة الالتفاف، وسرعة الجواب.
كانوا يعبّرون عن الأحمق بالجاهل، ومن ثم قالوا: غضب كسرى على عاقل فسجنه مع جاهل. يريدون سجنه مع أحمق، ويعبّرون أيضًا عن العاقل بالحلم، قال الشاعر:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإيّاه
فكم من جاهلٍ أردى ... حليمًا حين واخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
قال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين وإن كانوا عقلاء: الغضبان: والغيران، والسّكران. قيل: فما تقول في المنعظ؟ قال:
وما شرّ الثّلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذّي لا تصبحينا
قال تمام بحيح: إذا قام ذكر الرجل، ذهب ثلثا عقله قال محمود الوراق، وقد نسب إلى ابن الزّيات:
ليس شئٌ مما يدبرّه العا ... قل إلاّ وفيه شئٌ يريبه
فأخو العقل ممسكٌ يتوقّى ... ويخاف الدّخول فيما يعيبه
وأخو الجهل لا يقدر في الأم ... ر وإن أشكلت عليه ضروبه
راكب ردعه كحاطب ليلٍ ... يخطئ الأمر كلّه أو يصيبه
تتأتّى له الأمور على الجه ... ل إذا ما أرادها وتحبيبه
وأخو العقل بعد ينتتج الرّأ ... ى فيرضى ومرّة يستريبه
وإذا صيّر البعيد قريبًا ... عاد فيه فازداد بعدًا قريبه
فهو الدّهر شاخص القلب فكرًا ... ما تقضّى همومه وكروبه
وقال آخر:
ألا إنّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإن لم يكن عقلٌ فلن يبصر القلب
وقال آخر:
أى زمنًا نوكاه أسعد أهله ... ولكنّما يشقى به كلّ عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبّ الأعللى بارتفاع الأسافل
وقال آخر:
عذلوني على الحماقة جهلًا ... وهي من عقلهم ألذّ وأحلى
لو لقوا ما لقيت من حرفة العق ... ل لساروا إلى الحماقة رسلا
حمقى قائم بقوت عيالى ... ويموتون إن تعاقلت هزلا
قال هشام بن عبد الملك: يعرف حمق الرجل بأربع: بطول لحيته، وشناعة كنيته ونقش خاتمه، وإفراط شهوته. فدخل عليه ذات رجل طويل العثنون، فقال هشام: أمّا هذا فقد جاء بواحدة، فانظروا أين الثلاث؟ قالوا: أنا أبو الياقوت الأحمر. قالوا: فما نقش خاتمك؟ قال:"وجاءوا على قميصه بدمٍ كذب".