(باب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤم)
قال الزبير بن العوام في خطبة خطبها بالبصرة: أيها الناس إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يومًا بعمامتي من ورائي فقال:"يا زبير إن الله يقول: أنفق أنفق عليك، ولا توكئ فيوكأ عليك."
أوسع يوسع عليك، ولا تضيق فيضيق عليك.
واعلم أن الله يحبّ الإنفاق ولا يحب الإقتار، ويحب السماحة ولو على فلق تمرة، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية أو عقرب، واعلم يا زبير أن لله كنوز أموال سوى الأرزاق التي قسمها بين العباد، محتبسة عنده لا يعطي أحدًا منها شيئًا إلا من سأله من فضله، فاسألوأ الله من فضله"."
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخي بسخائه الجنة.
قال: ومن البخل ترك حقّ قد وجب لخوف شيء لم يقع.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أقيلوا الكرام عثراتهم"
ويروى."أقيلوا ذوى الهبات زلاتهم".
وروي عنه عليه السلام أنه قال:"المؤمن كريم، والفاجر لئيم".
قال جعفر بن محمد: قال الله عز وجل: أنا جواد كريمٌ، لا يجاورني في جنتي لئيم.
قيل للأحنف: ما الجود؟ قال: بذل القرى، وكف الأذى. قيل: فما البخل؟ قال طلب اليسير ومنع الحقير.
وقد روي هذا من كلام أكثم بن صيفي والله أعلم.
سئل الخليل بن أحمد عن الجود، فقال. بذل الموجود.
قال بعض الحكماء: من أيقن بالخلف جاد بالعطية.
قال أحمد بن أبي دواد: من نال دنيا فلم يرفع وليا، ولا وضع عدوا فليس بكريم.
قال شعيب بن حرب: ليس السخي من أخذ المال من غير حله فبذره، وإنما السخيّ من عرض عليه ذلك المال فتركه، أو جمع من حق ووضع في حق.
كان زياد بن أبيه يقول: من منع ماله سبل الحمد أورثه من لا يحمده.
قال إبراهيم بن أبي عبلة: سمعت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز، يقول: أف للبخل والله لو كان طريقًا ما سلكته، ولو كان ثوبا طريفا ما لبسته.
قال معاوية بن أبي سفيان لأبي مسلم الخولاني: إنكم معشر العباد فيكم النكاح والحدة والسماح. قال: أما النكاح فإنا لا نعدل عن أهلينا، وأما الحدة فإن قلوبنا ملئت خيرًا فلا موضع فيها للشر، وأما السماح فبحسن الظن منا بالخلف من الله تعالى.
قال سفيان بن عيينة: ما استقصى كريمٌ قط، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} .
قال أسماء بن خارجة: لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف لكان ذلك عظيمًا.
قال زهير:
ومن يك ذا فضلٍ فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
وقال محمد بن يسير:
كم مانع نفسه لذاتها حذرًا ... للفقر ليس له من ماله ذخر
إن كان إمساكه للفقر يحذره ... فقد تعجل فقرًا قبل يفتقر
وقال آخر:
ما أعلم الناس أن الجود مدفعةٌ ... للبخل لكنه يأتي على النشب
وقال ابن مطير الأسدي:
وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ... ولكنه خيم الرجال وخيرها
وقال آخر:
إني امرؤ أجزى الكريم بوده ... وأصد عن وصل اللئيم وأقطع