قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها، ودار نجاةٍ لمن فهم عنها، ودار غنىً لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومساجد أنبيائه، ومتاجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، فيا أيها الذام لها، بم خدعتك الدنيا؟ أم بماذا استذمت إليك؟ أبمصارع أمهاتك في الثرى؟ أم بمضاجع آبائك للبلى، لقد تطلب علينا الشفاء، واستوصف الأطباء حين لا يغني عنه دواؤه، ولا ينفعه بكاؤه.
قيل لنوح عليه السلام - حين حضرته الوفاة: يا نبي الله! لقد بلغت من العمر ما بلغت، فصف لنا الدنيا. فقال: ما وجدت الدنيا مع طول عمري فيها إلا كبيتٍ له بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.
قال المسيح عليه السلام: حلو الدنيا مر الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة، ومن حزن على دنياه سخط على الله.
وعن المسيح عليه السلام أنه قال: الدنيا لإبليس مزرعة، وأهلها لها حراث.
كان يقال: مثل صاحب الدنيا كخائض الماء، هل يستطيع ألا تبتل قدماه.
قال عمر بن الخطاب: يا معشر القراء! لا تلقوا كلكم على إخوانكم، ولا تدعوا دنياكم لآخرتكم، ولا آخرتكم لدنياكم، واستعينوا بهذه على هذه.
قال علي بن أبي طالب: الدنيا دار ممرً إلى دار قرار، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاعها فأعتقها.
وعن علي رضي الله عنه، أنه قال: إن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، وقد يجمعهما الله لأقوام.
وقد روي هذا الكلام مرفوعًا عن النبي عليه السلام.
أكثر قوم من ذم الدنيا عند رابعة القيسية، فقال: من أحب شيئًا أكثر من ذكره.
وقال سفيان الثوري: من أحب الدنيا وسرته، نزع خوف الآخرة من قلبه.
قال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عند إلا بتركها.
قال حذيفة بن اليمان: ليس خياركم الذين تركوا الدنيا للآخرة، ولا الذين تركوا الآخرة للدنيا، ولكن خياركم الذين أخذوا من هذه وهذه.
قال الشاعر:
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فمهما زوت عنه فليس بضائر
فما تعدل الدنيا جناح بعوضةٍ ... لدى الله أو مقدار زغبة طائر
فما رضى الدنيا ثوابًا لمؤمنٍ ... ولا رضى الدنيا عقابًا لكافر
قال أبو العتاهية:
ويا دنياي مالي لا أراني ... أسومك منزلًا إلا نبا بي
وما لي لا ألح عليك إلا ... نصبت الهم لي من كل باب
أراك وإن طلبت بكل وجهٍ ... كحلم النوم أو ظل السحاب
وكالأمس الذي ولى مريرًا ... وكالحدثان أو لمع السراب
وهذا الخلق منك على مسيرٍ ... وأرجلهم جميعًا في الركاب
وموعد كل ذي سعىٍ وفعلٍ ... بما يبدو غدًا يوم الحساب
قال ابن مسعود: الدنيا كلها غموم، فما كان منها سرور فهو ربح.