فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 30

المعنى فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا من الكفر للتقيّة )) [1] وهذا ينطبق على عمار بن ياسر رضي الله عنه في قصته المشهورة من إكراه قريش له على الكفر.

أما أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى فقد ذهب إلى أن الضمير يعود على الذين هاجروا في القراءتين وهذا يستفاد من قوله: (( وقرأ الجمهور: (( فُتنوا ) )مبنيًا للمفعول أي: بالعذاب والإكراه على كلمة الكفر، وقرأ ابن عامر: (( فَتنوا ) )مبنيًا للفاعل، والظاهر أن الضمير عائد على الذين هاجروا، فالمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول كما فعل عمار )) [2] وعلى هذا فإن الاشتراك وقع في رجوع الضمير إلى الذين هاجروا في القراءتين.

وهكذا نجد أن بعض المفسرين ذهب إلى ماذهب إليه ابن الجزري في رجوع ضمير (فتنوا) ، وبعضهم ذهب لقول آخر كما رأينا في تفسير أبي حيان فقد أرجع الضمير للذين هاجروا على القراءتين، وسواء كان إرجاع ضمير (فتنوا) ، لما قال ابن الجزري أو غيره فإن هناك وجهًا مستفادًا من تفسير الآية، وهو أن من رجع إلى الله تعالى مع العمل الصالح بالهجرة والجهاد والصبر حاز على مغفرة الله عز وجل ورحمته، ودليل هذا الوجه أن الآية تكلمت عن هجرتهم ثم عن فتنتهم قبل ذلك، قال الآلوسي في إتمام تفسير الآية بعد القراءتين في (( فتنوا ) ): (( قال عز وجل (( ثم جاهدوا ) )الكفار (وصبروا) على مشاق الجهاد أوعلى ما أصابهم من المشاق مطلقًا (( إن ربك من بعدها ) )أي المذكورات من الفتنة والهجرة والجهاد والصبر، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من عليه الصلة. وجوّز أن يكون الضمير للفتنة المفهوم من الفعل السابق ويكون ما ذكر بيانًا لعدم إخلال ذلك بالحكم، وقال ابن عطية: يجوز أن يكون للتوبة [3] والكلام يعطيها وإن لم يجر لها

(1) - الكشف عن وجوه القراءات السبع (2/ 41) . وفي التقية قال القرطبي: (( قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جِدّة الإسلام قبل قوة المسلمين؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا عدوهم. وقال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن الإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثمًا. والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ) )- تفسير القرطبي (4/ 57) باختصار.

(2) - البحر المحيط (6/ 601) .

(3) - أي الضمير في قوله تعالى (من بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت