إلى فساده وهلاكه.
وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته حمية له ومصلحة؛ لا بخلًا عليه؛ فأحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين وأعلمُ العالمين الذي هو أرحم بعباده من أنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من أن لا ينزله بأنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من أن لا ينزله بهم؛ نظرًا منه لهم وإحسانًا إليهم ولطفًا بهم، ولو مكّنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم؛ علمًا وإرادةً وعملًا؛ لكنَّه- سبحانه- تولَّى تدبيرَ أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته؛ أحبُّوا أم كرهوا؛ فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتَّهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجُهَّال به وبأسمائه وصفاته، فنازعوه تدبيرَه وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة؛ فلا لربِّهم عرفوا ولا لمصالحهم حصَّلوا، والله الموفِّق.
ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدُّنيا قبلَ الآخرة في جنة لا يشبه نعيمُها إلا نعيمَ جنَّة الآخرة؛ فإنَّه لا يزال راضيًا عن ربِّه؛ والرِّضا جنةُ الدُّنيا ومستراح العارفين؛ فإنَّه طيِّب النَّفس بما يجري عليها من المقادير التي هي عين اختيار الله وطمأنينتها إلى أحكامه الدِّينيَّة؛