يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه؛ فإن لم ييسّره له ويهيّئه له، وإلَّا فهو متعذِّرٌ عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويَسَّرَه له من فضله؛ فهو يَحْتاج إلى أن يُبْقيَه عليه ويديمَه بالبركة التي يَضَعُها فيه، والبركة تتضمَّنُ ثبوتَه ونموَّه، وهذا قَدْرٌ زائدٌ على إقداره عليه وتيسيره له، ثمَّ إذا فعل ذلك كلَّه فهو محتاجٌ إلى أن يُرْضِيَه به؛ فإنَّه قد يهيئ له ما يكرهه، فيظلّ ساخطًا، ويكون قد خار الله له فيه؛ قال عبدُ الله بنُ عمر: إنَّ الرجلَ لَيَسْتَخير الله فيختار له فيسخط على ربِّه، فلا يَلْبَثُ أن يَنظر في العاقبة، فإذا هو قد خار له».
وحقيقتُها تفويضُ العبد لربِّه أن يَختار له؛ كما يقول ابنُ القيِّم [1] :
«التَّفويضُ، وهو رُوحُ التَّوَكُّل ولُبُّهُ وحقيقتُه؛ وهو إلقاء أموره كلِّها إلى الله وإنزالُها به طلبًا واختيارًا لا كرهًا واضطرارًا؛ بل كتفويض الابن العاجز الضَّعيف المغلوب على أمره كلَّ أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحُسْن ولايته له وتدبيره له؛ فهو يرى أنَّ تدبيرَ أبيه له خيرٌ من تدبيره لنفسه وقيامه بمصالحه، وتَوَلِّيه لها خيرٌ من قيامه هو بمصالح نفسه وتولِّيه لها؛ فلا يجد له أصلحَ ولا أرفقَ من تفويضه أمورَه كلَّها إلى
(1) مدارج السالكين (2/ 122) .