تقتضي العلاج الحاسم لهم ولغيرهم، ثم بعد ذلك وبعد نجاحهم في فترة التمحيص هذه، نزل القرآن بالتوبة عليهم، بل أمر بالاقتداء بهم، فيقول تعالى بعد ذكر قصتهم والتوبة عليهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} . [التوبة، آية 119] .
فهذه صورة من صور التعامل، الذي يتبدل ويتغير وفق الظروف الطارئة، يملي هذا التبدل وهذا التغير، الحكمة المبتغاة دائمًا في الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - وهذا تأكيد لما سبق أن أشرت إليه في مقدمة هذا البحث، من أن الحكمة ليست مرادفة للرحمة ولا اللين، ولكنها تعني الرحمة في زمن الرحمة فحسب، أما الرحمة في غير وقتها فلا تسمى رحمة، بل قد يساء فهمها، ويظن بها العجز والتقصير عن مواكبة الحدث والتلاؤم المناسب معه.
وقد يقتضي الموقف اللين والتجاوز لمصالح أعظم من تلك التي تحقق بالشدة، أو قد تخاف مساوئ ونتائج الشدة، التي قد تجر إلى ما لا تحمد عاقبته، وإن كنا نرى من الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، الشدة على هؤلاء الثلاثة، فإننا نراه في موقف آخر، يتجاوز ويعفو لآخرين، لا يمكن أن تقارن منزلتهم بمنزلة الثلاثة الذين خلفوا.
5 -إن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، عندما طلب إليه بعض