الدعوي المدرك لقيمة ومعنى إدراك نفسية المدعو، ومعاملته معاملة تتناسب وحاله ومستواه العلمي والعقلي، وهل يستوي الحديث للرجال بالحديث للنساء، أو الحديث للنساء بالحديث للأطفال؛ إن لكلِّ موقف مع هؤلاء طبيعة وخاصية دقيقة، يستطيع «الحكم» أن يجلب أقصى ما يمكن من المصلحة، وعينه الأخرى ترقب المفاسد؛ فلا يتسبَّب جلبه للمصالح إلى جلب مفاسد أكبر.
فمن يأخذ بحديث تحريم المزامير والمعازف السابق ويطبقه ويغفل عن بقية الأحاديث الأخرى، فهو لا شك يطبِّق نصًّا نبويًّا؛ ولكنَّه غفل عن نصوص أخرى؛ لكن الحكمة تقتضي المواءمة بين النصوص كلها والتفريق بين فرد وآخر، ومتى كانت نفوس الصبيان والنساء والجواري كالكبار من الرجال العقلاء!
وإن النفوس التي غنَّت في بيت عائشة، والنساء اللاتي ضربن بالدفِّ عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرحًا بقدومه، إنما يُظهرون فرحهم بذلك، وهكذا كان فرحُ هؤلاء الصغار والنساء «الذين لا تحتمل عقولهم الصبر تحت محض الحق؛ فكان إقرارهم بالترخيص لهم في هذا القدر مصلحة لهم، ذريعة إلى انبساط نفوسهم وفرحهم بالحق؛ فهو من نوع الترخيص في اللعب للبنات وما شاكل ذلك، وهذا من كمال شريعته ومعرفته بالنفوس،