الصفحة 7 من 13

قالَ رحمَهُ اللهُ تَعالىَ: (أمَا المُنافِقونَ فَلهم شَأنٌ آخر، ولَهمَ مَوقفٌ لا يَختلِفُ كثيرًاَ عن مَواقِفِ أسلَافِهم فِي غزوةِ الأحزَابِ، حِينَ ابتلِيَ المُؤمِنونَ، وبِلغَت القلوبُ الحنَاجِرَ، وظَنوا بِاللهِ الظنونَا، وكانَوا شِيعًَا؛ فمِنهُم مَن قَالَ: مَا بَقِيَتْ الدَّوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ تَقُومُ فَيَنْبَغِي الدُّخُولُ فِي دَوْلَةِ التَّتَارِ. وَقَالَ بَعْضُ الْخَاصَّةِ: مَا بَقِيَتْ أَرْضُ الشَّامِ تُسْكَنُ؛ بَلْ نَنْتَقِلُ عَنْهَا إمَّا إلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَإِمَّا إلَى مِصْرَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ الْمَصْلَحَةُ الِاسْتِسْلَامُ لِهَؤُلَاءِ كَمَا قَدْ اسْتَسْلَمَ لَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَالدُّخُولُ تَحْتَ حُكْمِهِمْ ... ) .

إلى أن قالَ: (تَارَةً يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَذَا الَّذِي جَرَى عَلَيْنَا بِشُؤْمِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ الَّذِينَ دَعَوْتُمْ النَّاسَ إلَى هَذَا الدِّينِ وَقَاتَلْتُمْ عَلَيْهِ وَخَالَفْتُمُوهُمْ ... وَتَارَةً يَقُولُونَ - أَنْتُمْ مَعَ قِلَّتِكُمْ وَضَعْفِكُمْ - تُرِيدُونَ أَنْ تَكْسِرُوا الْعَدُوَّ وَقَدْ غَرَّكُمْ دِينُكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . وَتَارَةً يَقُولُونَ: أَنْتُمْ مَجَانِينُ لَاعقل لَكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُهْلِكُوا أَنْفُسَكُمْ وَالنَّاسُ مَعَكُمْ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: أَنْوَاعًا مِنْ الْكَلَامِ الْمُؤْذِي الشَّدِيدِ) [1] .

حَالُ المنافِقينَ والمُعوقِين مِن الجِهادِ وأهلِهِ في نَازِلتِنَا:

وأنا أقسمُ بِاللهِ العَظيم، الَّذي هوَ رَبي وبِيدهِ مَلاكُ أمرِي وأمر العَالمينَ أجمعِين؛ أنَّ هذا الرجلُ كَأنهُ يَصفُ حَالَنَا، فلَقد رَأينَا مَن قَالَ لا يمكنُ أن تُطبقَ الشَّريعِة في عَصرِنَا، أو تقومَ قائمةُ الإسلامِ في جُلِّ شأنِنَا، وينبغي لنَا الرِّضَا بالديمقراطيَّةِ الأمريكيةِ فهي غَيثُ عصرِنَا، وقالَ بَعضُ الخَاصةِ يجبُ الهِجرة لِمَن لم يستطع إِقامَة دِينهِ، وهو لم يَبذِل في دفعِ العدوِ واجبَهُ وقدرتَهُ، وقال مِن العُلماءِ الواجبُ الاستسلام وتسليمِ السِّلاحِ، والخضوع مع تركِ الكِفَاح، ومَن قام بواجبِ الجِهادِ وما أمرَ اللهُ بهِ فأصابَه قرحٌ قالوا هذا مِن شُؤمِكم، وما وقَعت الأمة في هذه البَليةِ إلا بِفعالِكم، فأنتم رأس البَلاءَ، وأصلُ الفسادِ، وقادةُ الإرهابِ، وكذبوا، وخابوا، وخسروا؛ ويقولونَ أنتم ضُعفاء لا تقوى قُوتُكم لمُجابهةِ طائراتِ أمريكا، فأسلِموا أمرَكُم إلى مُرادِها، ومُرادُها التَنصِير، فحسبُنا اللهُ اعملوا مَا شِئتُم إِنَّهُ بِمَا تَعملون بَصِير.

ويَرمُون أهل الجِهادِ بالغُرورِ، والتَّسرعِ، والحُمقِ، وعدمِ الفهمِ، والبُعدِ عن تقديرِ المصَالحِ، وتارةً يقولون الجِهادُ تَهلُكة، فسبَحان مَن لا تَجِدُ لسُنَتِهِ في خَلقِهِ تَبدِيلا، ولا تَحوِيلا.

(1) الفتاوى ج28/ص457

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت