دَنا فتَدَلَّى (1) قَابَ (2) قَوْسَيْنِ رَبُّهُ ... فأَوْحى إليه من عِظَام المسَائِل (3)
وصار نَجِيًّا (4) للحبيبِ حبيبُه ... وجِبْرِيْلُ ناءٍ (5) في الوَرَاء بِمَعْزِل
هدانا إلى الخير وجنَّةِ ربِّنا ... أتانا من الله بِدِيْنٍ مُعَدَّل (6)
لقد جاء والنَّاسُ في قَعْر ظُلْمَة ... ضَلالٍ وإشْراكٍ وفي كُلِّ بَاطِل
بشيرا نذيرا للأنام (7) ورحمة ... رؤوفا رحيما مثل عذب المناهل (8)
(1) تدلّى: نزل من علوًّ إلى أسفل، و قرُب منه، و قال البيضاوي في «تفسيره» : 5/ 157: التدلي هو استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة، وفي القرآن: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8، 9]
(2) القَاب والقِيْب، والقَاد والقيْد: المقدار، كما في «الكشاف» و «الفائق» للزمخشري، أو مَا بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ والسِّيَةُ، بِالْكَسْرِ: مَا عُطِفَ من جانِبَيِ القَوْس، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابَانِ، وهما مَا بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ، كما في «تاج العروس» ، أو مَا بَيْنَ الوَتَرِ ومَقْبِضِهِ، كما قال الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي المسماة بـ «عنايه القاضي وكفاية الراضي» .
(3) ذكر لنا شيخُنا واقعة عند قرائته علينا هذا البيت، و هي أنه كان يُنشد مرة هذا البيت في طريق ذهابه إلى المسجد للصلاة، فسمعه أستاذه الأديب اللغوي الفقيه الشيخ بدر عالم الميرتهي، فنبَّهه و قال له بعد الفراغ من الصلاة: لماذا تقرأ «ربَّه» مفتوحا، بل ينبغي أن يُقرأ مرفوعا بالفاعلية للتدلي، فإن مسند الهند الشيخ الشاه ولي الله الدهلوي رحمه لله قال: إن الدنوَّ حصل من هذا الجانب أي من الرسول صلى الله عليه و سلم، و التدلي حصل من ذلك الجانب أي الله عز و جل، وبذلك تمكّن اللقاء بينهما.
(4) النجيُّ: المُناجي أي من تُسِرُّ إليه الحديث و تخصُّه به ج أنْجِيَة، و في القرآن: {نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [المجادلة: 8]
(5) ناءٍ اسم فاعل من نأَى عن الشَّيءِ (ف) : بَعُد عنه، و في القرآن: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26]
(6) مُعَدَّل اسم مفعول من عدَّل الشيئَ: سوّاه و جعله موزونا مستقيما.
(7) الأنام: جميع ما على الأرض من الخلق أو الجن و الإنس فقط، وغلب في الدلالة على البشر، و في القرآن: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} [الرحمن: 10]
(8) المنهل: مورد، مكان الشُّرب، وعذب المناهل: إضافة الصفة إلى الموصوف وتقديره: المناهل العذبة.