الصفحة 3 من 60

إن شيخ الحديث العلامة عزيز الحق رحمه الله من أولئك العلماء الراسخين في العلم الذين وهبهم الله بمنه وكرمه نبوغا وبراعة عظيمة في معرفة الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام والقواعد منهما، وقد تميز شيخ الحديث رحمه الله في صحيح البخاري تدريسًا واستنباطًا وشرحًا وتأليفًا لتخصصه فيه بدراسته على عديد من المشائخ والعلماء والخوض في شروحه وطول فترة تدريسه، حيث أنه تشرف بتدريسه أكثر من خمسين عاما.

ولما تحلى شيخ الحديث رحمه الله بكثير من الصفات العليا الجليلة والأخلاق الحميدة والنبوغ في الكتاب والسنة والجمع بين العلم والعمل، أحبه الناس محبة عظيمة وقدَّره كل التقدير، خصوصًا علماء الأمة عبر العالم، والشعب البنغالي. ورزقه الله القبول لديهم، وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلميه ينهلون من معين علمه ويستفيدون من نصحه ومواعظه، ويجتمعون بندائه.

اسمه ومولده

هو عزيز الحق بن الحاج إرشاد علي. ولد في عام 1919 من السنة الميلادية (من غير تحديد أو تأكيد لعدم وجود المدونات وسجلات المواليد في ذلك الحين) في حي بِرِيْجْ خَا من محافظة بِكْرَمْ بُوْر (منشي غنج) التابعة لمنطقة داكا عاصمة بنغلاديش الحالية، ولما بلغ عمره مابين الرابعة والخامسة تُوفيت والدته -رحم الله الشيخ ووالديه- فدخل تحت شفقة ورعاية جدته من الأم في حيِّ كَلْمَا ومضت طفولته فيها.

نشأته وحياته التعلُّمية

بداية نشأته كان في حِجر أبيه في بيت دين وورع في حيِّ كَلْما من منطقة منشي غنج وبدأت حياته التعلمية في أحد مساجد الحي من بسم الله الرحمن الرحيم إلى ختم القرآن نظرًا، ولما تجاوز السابعة من العمر ترك وطنه وانتقل مع والده إلى منطقة بَرَامَنْ بَارِيَا، وكان والده يقيم فيها أغلب الأيام لغرض التجارة، والتحق فيها بالجامعة اليونسية، وبدأ تعلمَ العلوم العربية والدينية تحت رعاية ورقابة المربي الجليل الشيخ العلامة شمس الحق الفريدبوري رحمه الله وحينئذ كان يتولى التعليم والتربية في تلك الجامعة ثلاثة من العلماء الأجلاء من باكستان الشرقية (بنغلاديش حاليًا) وكلهم تلامذة وخلفاء الشيخ المجدد أشرف علي التهانوي رحمه الله:

(1) الشيخ المربي شمس الحق الفريدبوري رحمه الله.

(2) الشيخ محمدالله المعروف بحافظ جي حضور رحمه الله.

(3) الشيخ عبدالوهاب المعروف ببِرْجِي حضور رحمه الله.

وكان لوالد شيخ الحديث رحمهم الله (الحاج إرشاد علي) علاقة قلبية مع هؤلاء العلماء الربانيين، فترك إبنه السعيد تحت تربيتهم ورعايتهم. فتشرَّف وسعِدَ شيخ الحديث بإبتداء تعلمه على أيدي مثل هؤلاء العلماء الربانيين ونشأ تحت رعايتهم ورقابتهم، واستفاد من علومهم من ابتداء التعلم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

واستمر شيخ الحديث دراسته في الجامعه اليونسيه، ولما استقال الشيخ الفريدبوري رحمه الله بعد سنوات قليلة من الجامعة اليونسية لأسباب ومصالح دينية مختلفة، وانتقل إلى حي بَرَاكَتْرَه بمدينة دكا، وأسس فيها معهدا تعليميا إسلاميا بإسم جامعة أشرف العلوم، ومعه صاحباه عبدالوهاب والشيخ محمدالله، انتقل معهم شيخ الحديث وواصل دراسته فيها إلى أن استكمل دورة الحديث (دورة الكتب الستة الحديثية) .

وبقي شيخ الحديث تحت شفقة الشيخ الفريدبوري، يربيه ويرقيه علمًا وورعًا إلى أن توفي الشيخ الفريدبوري رحمه الله. واستفاد شيخ الحديث أثناء دراسته في جامعة أشرف العلوم من الشيخ رفيق أحمد الكشميري رحمه الله وكسب الفيوض منه أيضًا.

وكان شيخ الإسلام العلامة ظفرأحمد العثماني - صاحب إعلاء السنن - شيخا للحديث في الجامعة ورئيسا للمدرسين فيها، فتشرف شيخ الحديث بدراسة عدة كتب عليه، منها: التفسير للبيضاوي، والجامع للترمذي، والصحيح للبخاري، وذلك سنة 1940 - 1941 - م

رحلاته لطلب العلم

تعمّق شيخ الحديث في علوم الحديث، وكثُر مطالعاته لكتب الحديث وشروحه المختلفة، فلما عثر على كتاب «فتح الملهم» شرح صحيح الإمام مسلم، لشيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، تعجب منه واشتاق لمؤلِّفه وعزم على لقائه والإستفادة منه وحصول العلم منه. وأراد إعادة دراسة صحيح البخاري عليه، وحينئذ كان الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله مقيمًا في الجامعه الإسلاميه بدابهيل (قرية بالهند) ، ويدرس فيها صحيح البخاري. فغادر شيخ الحديث ديار البنغال وترك وطنه وخرج لطلب العلم مع صعوبة السفر لقلة المواصلاة في ذاك الزمن، واتَّجَهَ نحو دابهيل. وفي الطريق قبل الوصول إلى دابهيل أقام شيخ الحديث فترة قصيرة في جامعة مظاهر العلوم بمدينة سهارنبور، لوقوعها في الطريق إلى دابهيل، فجمع العلوم من مشايخها كذلك، بالخصوص من الشيخ أسعد الله الرامبوري رحمه الله، ودرس عنده الأحاديث المسلسلات، فأجازه الشيخ فيها. ثم استمرت رحلته إلى دابهيل. وبعد وصوله إلى دابهيل أعاد شيخ الحديث دراسة صحيح البخاري تفصيلًا على الشيخ شبير أحمد العثاني. وذلك في عام (1362 - 1363ه) و في أثنائه كتب شيخ الحديث ما ألقى الشيخ العثماني من شرح حديثٍ وفوائد واسنباطٍ، وبعد مضي شهر من ابتداء الدراسة عند الشيخ العثماني أحس الشيخ العثماني بحرصه وجهده، فرحبه وشجَّعَه، وسأل ذات يوم: يا عزيز الحق هل أنت تكتب ماألقيه في الدرس، فقال: نعم، قال: أرني ماكتبتَ، فقدَّمَ له ما كتب من إلقاءاته، فجلس الشيخ العثماني قاعدًا متعجبًا، ونادى أصحابه بصوت عال من فرط الفرح والعجب، وقال: انظر، هذا قد كتب كل ما ألقيتُ في الدرس من شرح وتحليل حرفا فحرفا، ورتبه أحسن ترتيب، هذا فعل إنسان أم جان؟ ومن ذلك اليوم بدأ الشيخ العثماني يزيد في العناية به والاهتمام له وقربه في حلقة الدرس، حتى أنه إذا كان يغيب عن حصة لعذر، كان يؤجل درس ذلك اليوم، ويراجع للطلاب الدروسَ السابقةَ، هكذا كان الشيخ متابعًا لكتابته طوال السنه حتى بقي في صحبته بعد إنتهاء الدراسة في بيته لتبييض المخطوطة ومراجعته.

وهنا قال الشيخ مقولته المشهورة: أحسنتَ يا عزيزالحق، أنك أتيتَ هذه السنة، فإني أردت أن ألقي في هذه السنة من العلوم والفوائد مالم ألقه في عشر السنوات الماضية، لأني أحسب أنها آخر سنة لتدريسي. وانضم شيخ الحديث إلى التخصص في التفسير بدار العلوم ديوبند أثناء مراجعة المخطوطة عند الشيخ العثماني، وتشرف بدراسة علم التفسير على شيخ المفسرين العلامة إدريس الكاندهلوي رحمه الله، صاحب التفسير «معارف القرآن» ، (هذا غير «معارف القرآن» للشيخ المفتى شفيع رحمه الله والد الشيخ محمد تقي العثماني رحمه الله)

مشائخه وأساتذته الكبار

(1) الشيخ المربي شمس الحق الفريدبوري رحمه الله

قضى تحت رعايته وإشرافه من صباه إلى أكثر من منتصف عمره، نيف وأربعين سنة، وكان الشيخ الفريدبوري رحمه الله أستاذا قيما له في جميع شؤون حياته.

(2) شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني رحمه الله

قرأ عليه الصحيح للبخاري للمرة الثانية، في الجامعة الإسلامية في دابهيل

عام (1362 - 1363ه) .

(3) الشيخ العلامة ظفرأحمد العثماني رحمه الله.

قرأ عليه الصحيح للبخاري للمرة الأولى، والجامع للترمذي، والتفسير للبيضاوي، في جامعة أشرف العلوم بَرَاكَتْرَة داكا في عام (1940 - 1941م)

(4) شيخ التفسير العلامة إدريس الكاندهلوي رحمه الله.

أتم عنده التخصص في التفسير في دار العلوم بديوبند، عام (1363 - 1364ه) .

(5) الشيخ محمد الله المعروف بـ (حافظ جي حضور) رحمه الله.

قرء عليه من المرحلة الإبتدائية إلى دورة الحديث عدة كتب في كل سنة.

(6) الشيخ العلامة رفيق أحمد الكشميري رحمه الله.

قرء عليه كتبا مختلفة.

(7) أسعدالله الرامبوري رحمه الله.

نال منه إجازة في الأحاديث المسلسلات عام1362هـ.

(8) المحدث الكبير الشيخ هداية الله رحمه الله.

قرء عليه عدة كتب الحديث.

هؤلاء المشائخ الذين درس عليهم بالتفصيل مع الإقامة لديهم. عدا هؤلاء استفاد من غيرهم مشائخ وعلماء الحجاز والنجد والأزهر الكثيرين. وذلك في الخمسينات تقريبًا1950م.

مزاياه وخصوصياته في عهد طلبه للعلم

تميز شيخ الحديث في زمن طلبه للعلم بميزات عديدة أهمها:

(1) الذكاء المفرط والفطنة التامة.

(2) الجد والإجتهاد المطلوب.

(3) التعلق القلبي بالمشائخ والأساتذة والعلماء، وخدمتهم بإخلاص ما ليس له نظير ولا مثيل. ولأجل هذه الصفات الحميدة كسب الحب القلبي والدعاء الخالص من أمثال هؤلاء العلماء الربانيين.

بعض ذكرياته مع أساتذته

(1) ذات مرة قال له الشيخ رفيق أحمد الكشميري رحمه الله - الذي كان يقول عنه شيخ الحديث بأنه وليٌّ من أولياء الله على ما يظهر منه من الكرامات: يا عزيز الحق إني دعوت الله بدعوتين بتضرع وابتهال لم أدع بمثلهما قط، وإني متيقن بأن الله قد استجابهما، الدعاء الأول لأخيك، بأن يشفيه الله من مرضه شفاءً عاجلًا، لأن مرضه يخل بطلبك للعلم، والدعاء الثاني لك، بأن يجعلك الله عالمًا متبحرًا في العلم وأن يتقبلك الله لخدمة الدين والعلم.

(2) لما انتهى شيخ الحديث من دراسة (مرحلة) تفسير الجلالين أراد أن يطلب العلم من منبع العلوم في شرق آسيا دارالعلوم بديوبند وتجهز للسفر إليه، وفي آخر اللحظات قبل الخروج للسفر أراد أن يستودع شيخه الشفيق، الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله وهو مستعد للسفر، فلما سلم وطلب الدعاء واستأذن قال له الشيخ العثماني: من قال لك بأنك تسافر إلى ديوبند؟ بل أنا أدرِّسُك، فبقي الشيخ عنده، وبدأ يقرء عليه التفسير للبيضاوي قبل مرحلة دورة الحديث في حصص دراسية إضافية خارجة عن الحصص الدراسية المقررة.

(3) لما وصل شيخ الحديث إلى مظاهر العلوم بسهارنبور، أقام فيها مدة قصيرة، وحصل على إجازة في الأحاديث المسلسلات من الشيخ أسعد الله الرامبوري. لكنه أراد أن يستمر في سفره إلى دهابيل ويستكمل طلب العلم، فعند الوداع الأخير من الشيخ الرامبوري ذهب ليستودعه وطلب منه الدعاء، فأجهش الشيخ الرامبوري بالبكاء لتعلق القلب به وعمق المحبة معه وقال: إن تجد مثلك عزيز الحق آخر، فأرسِلْه إليَّ.

(4) في زمن إقامته في دابهيل لما رأى شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني إهتمامه واستعداده وتدوين الشرح والفوائد له، تعجب وفرح فرحًا شديدًا، وقال: «إني أتمنى من الله أن ينشر الله بك الدينَ وعلمَ الحديث وأقوالي في أرض البنغال» وذلك بعد مضي شهر من بداية الدراسة عند الشيخ العثماني.

وبعد سنين التقى الشيخ العثماني بالشيخ الفريدبوري فسأله عن شيخ الحديث وقال: يوجد في داكا ابن لي اسمه عزيز الحق، فهل تعرفه؟ فأجاب الشيخ الفريدبوري بكل تواضع: «نعم، هو زميلي في التدريس في الجامعة» ، مع أنه كان أول استاذ له.

(5) ومماهو جدير بالذّكر هنا بأن المربي الكبير الشيخ شمس الحق الفريدبوري رحمه الله كان يقول دائمًا: إذا يسألني ربي يوم القيامة بماذا أتيت به يا شمس الحق؟ فإني سوف أقدِّم عزيز الحق وهداية الله أمام رب العالمين وأقول: يارب هما ذخيرة حياتي، فأتيت بهما إليك.

خدماته للدين ونشر العلم والشريعة الإسلامية

وهكذا وفَّقه الله سبحانه وتعالى لخدمة الدين الحنيف بميادين مختلفة. فلذا يُعد شيخ الحديث رحمه الله من كبار العلماء الربانيين والمؤسِّسين للمنظمات الدينيه والجامعات في أرض البنغال ما قل نظيره في مثل هذه الديار، وعم إحساناته بين مسلمي شرق آسيا، كما نتجت جهوده وخدماته العظيمة خلال أكثر من خمس وستين عامًا عن العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والتأليف والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى الله والنصح لعامة المسلمين وخاصتهم. ولكن تركيزه كان على أربعة ميادين بوجه خاص وبشكل مستمر:

الأول: الدروس العلمية.

الثاني: التأليف والتصنيف.

الثالث: الدعوة والإرشاد.

الرابع: النشاطات السياسية لتنفيذ أحكام الشريعة ولإعلاء كلمة الله في العالم كله، خاصة في مسقط رأسه أرض البنغال.

في الحقيقة أن خدمات شيخ الحديث العلمية والدينية تحتاج إلى كتاب مبسوط ولكن نذكرها ههنا بإختصار ضمن النقاط الأربع:

الدروس العلمية

توسّم فيه رحمه الله مشايخُه النجابة، وسرعة التحصيل العلمي، والتوسع في العلم، فعينه على التدريس فور تخرجه من مرحلة دورة الحديث في جامعة أشرف العلوم براكترة بمدينة داكا في عام (1364هـ=1944م) . حيث أنه بدأ بتدريس كتب المنطق والنحو والصرف والأدب العربي والفقه ثم ترجمة القرآن الكريم وتفسيره، ثم كتب الأحاديث، وبقي مدرسًا فيها سنين.

وفي عام 1952م أسس شيخه الفريدبوري جامعةً ضخمة في لَالْبَاغْ المشهورة بمدينة داكا، وسماها بالجامعة القرآنية العربية، التي اشتهرت عاجلًا في البلاد وصارت مقبولة لدى الشعب، فأخذه شيخه الفريدبوري وعينه مدرسًا فيها، وفي سنة 1955م أقره بتدريس صحيح البخاري فيها.

وبقي الشيخ على منصب"شيخ الحديث"للصحيح للبخاري في تلك الجامعة مع تدريس كتب الحديث الأخرى حتى عام 1986م. وكما كان أستاذًا للحديث خلال نفس الفترة في الجامعة الإسلامية في تاتي بازار بحي إسلام بور داكا.

ولما اُفتتِحت في الجامعة النورية بكَامْرَانْغِيْرْ صَر داكا مرحلةُ دورة الحديث في الدراسات العليا طلب مدير الجامعة الشيخ محمد الله حافظي حضور من شيخ الحديث بأن يقوم بتدريس الصحيح للبخاري فبدأ فيها كذلك. وفي ذلك الحين عُيِّن شيخ الحديث مكلفا رسميًا من جهة الحكومة بتدريس الصحيح للبخاري بجامعة داكا في قسم الشريعة، للدراسات الإسلامية العليا.

وإضافةً إلى ذلك هناك بعض الجامعات والمدارس الدينية التي كان شيخ الحديث مرتبطا بها، ويلقي فيها دروس الحديث، نحو الجامعة الإسلامية لال ماتية محمدبور داكا، ومدرسة دارالسلام ميربور داكا. وكان يطوف يوميًا مدرسةً بعد مدرسةٍ وجامعة بعد جامعة.

أجرى الله على يد شيخ الحديث الخيرَ الكثيرَ وخدمة هذا الكتاب العظيم صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله بسبب نيته الصالحة، وعزيمته الماضية، وهمته العالية، الذي لاتعرف الكلل والملل، حيث أنه درس كتب المنطق واللغة العربية والفقه وغيرها كما مر، لكن الله اصطفاه وتقبله لخدمة صحيح البخاري تدريسًا وترجمةً، شرحًا واستنباطًا. وقد اهتم بتدريسه دون أي انقطاع أكثر من سبع مدارس وجامعات يوميًا لمدة أكثر من نصف القرن (50) عامًا تقريبًا من 1950م إلى 2010م. ماليس له مثيل في ديار البنغال. وذلِكَ فَضْلُ اللٌه يُؤتِيه مَن يَشَاءْ.

تأسيسه الجامعات والمدارس الدينية

(1) الجامعة الرحمانية العربية محمد بور داكا:

بعد أن توفي الشيخ الفريدبوري رحمه الله في عام 1965م، استمر شيخ الحديث بتدريس صحيح البخاري في الجامعة القرآنية العربية لال باغ، وفي سنة 1986م استقال شيخ الحديث منها لمصالح دينية، وأسس في غرب مدينة داكا في محمدبور جامعةً باسم الجامعة المحمدية العربية واستمر التدريس فيها.

وبعد سنتين أنشأ جامعة ضخمة أخرى بإسم الجامعة الرحمانية العربية بجوار المسجد التاريخي المشهور باسم سات مسجد وصارت هذه مركزًا أساسيًا له لخدمة التدريس والتصنيف إلى آخر لحظة من حياته رحمه الله، مابين 1988 - 2010م. فصارت مدة خدمته للحديث النبوي من 1944 - إلى 2010 م، خمس وستين سنة.

(2) جامعة العزيز الإسلامية:

لما كثرت مطالبة الشعب من شيخ الحديث بإنشاء جامعة متطورة بإضافة بعض المناهج التى يحتاجها الإنسان في هذا العصر الجديد من اللغة الإنجليزية والحساب والعلوم العامة بجانب العلوم الدينية الكاملة في بيئة دينية، فبعد أن رأى ضرورته فاستخار الله تعالى وانشرح صدره، فأسس جامعة في سنة 2003م وسمَّاها بأمل رفقائه بجامعة العزيز الإسلامية بغرب حي محمد بور من مدينة داكا.

التأليف والتصنيف

لما نزل شيخ الحديث رحمه الله في ميدان خدمة العلوم الدينية، كان ميدان التأليف والتصنيف من أهم ميادين الخدمة له، خاصةً لشعب البنغال باللغة البنغالية. لأنهم كانوا بعيدين عن علوم القرآن والسنة بسبب بعدهم عن مهبط القرآن والسنة وعدم تعلمهم اللغة العربية، فاهتم شيخ الحديث بنشر الدين بكل الوسائل لهذا الشعب الضخم الذين كانوا محرومين منذ فترة طويلة، فبدأ بالتأليف والتصنيف لهذا الشعب باللغة البنغالية شيخه الفريدبوري رحمه الله، فأوصله شيخ الحديث رحمه الله إلى العروج والكمال فنفع الأمة بها نفعا عظيما.

وكان لشيخ الحديث رحمه الله ملكة في التحقيق والتصنيف من عهد طلبه للعلم، فقد جمع وحقَّق وكتب شروح عدة كتب في زمن طلبه للعلم، ففي زمن دراسته عند الشيخ العلامة ظفر أحمد العثماني في جامعة أشرف العلوم براكتره بدأ بكتابة شرح لجامع الترمذي باللغة الأردية مع التحقيق والتعليق وذكر المسائل الفقهية المتعلقة بالحديث، ولكن قبل إتمام هذا الكتاب ارتحل شيخ الحديث إلى شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني للتعمق في علم القرآن والسنة والتوسع فيه، وأعاد دراسة الصحيح للبخاري عنده، وكتب شرح الصحيح للبخاري بأحسن ترتيب وطُبع بعد ذلك بشكل كتاب ضخم، وهو حاليًا أمام القراء بإسم «فضل الباري في شرح الصحيح للبخاري» باللغة الأردية.

بعض مؤلفاته

التحفة العظيمة والهدية الضخمة لأهل البنغال، هي ترجمة الصحيح للبخاري وشرحه باللغة البنغالية لأول مرة، لما بدأ شيخ الحديث رحمه الله بنشر الدين في البنغال لم يكن حينئذ توجد أي ترجمة أو شرح لكتاب من كتب الصحاح الست أو كتب التفسير باللغة البنغالية حتى يستفيد منه شعب البنغال، إلا جزء من مشكاة المصابيح فقط، فبدأ شيخ الحديث بشرح وترجمة صحيح البخاري باللغة البنغالية، وبعد طول بذل الجهد قرابة ست عشرة سنة طُبع هذا الكتاب الضخم في عشر مجلدات، وأعطاه الله القبول الحسن لدى الشعب البنغال.

بعض مميزات هذا الكتاب:

(1) من أهمها أنه امتاز بحسن العرض وسهولته من مباحث دينية وعلمية وشرح المسائل الغامضة مايستفيد منها العوام والخواص.

(2) اهتم فيه بشرح أحاديث عقيدة أهل السنة والجماعة والسيرة النبوية وتاريخ الإسلام بالتفصيل.

(3) جمع فيه الأحاديث المكررة في موضع واحد، وماكان على شرط البخاري في كتب أخرى مع بيان الربط والشرح.

وكذلك ألف شيخ الحديث (رحمه الله) كتابا مبسوطا باللغة البنغالية جمع فيه الأحاديث الزائدة على صحيح البخاري من الكتب الستة ومن مشكاة المصابيح مع الترجمة والشرح.

وترجمة المثنوي للعلامة الرومى وشرحه، والرد على القاديانية، والرد على أفكار أكرم خان، والخلافة الإسلامية، وغير ذلك من مؤلفاته رحمه الله الكثيرة من الكتب ورسائل متعددة.

الدعوة والإرشاد لعوام الناس وإلقاء المحاضرات

مع هذه الإرتباطات بالدرس والتدريس والتأليف والتصنيف كان لشيخ الحديث دور كبير في نشر الدين والعلم بين عوام الناس بالمواعظ وإلقاء المحاظرات والدعوة والإرشاد، وإنشاء الجمعيات الدينية لتنفيذ الشريعة على الساحة الشعبية في البلاد، لايرى منه الملل والكلل، بل كان يرِدُ الشدائد والمواقع الخطيرة من الهندوس والقاديانية والشيعة قائلا أينقض الدين وأنا حي، وبقُوَّة هذه العاطفة القوية العميقة كان يعارض الفرق الباطلة، ويقابلهم للذود عن عقيدة أهل السنة والجماعة، والحفاظ على دينهم كما كان يقوله أبو بكر رضي الله عنه.

إنشاء الجمعيات المنظمات والحركات الإسلامية

كان الشيخ رحمه الله أحد من قادوا جمعية نظام الإسلام عند إقامة الدولة الباكستانية (الشرقية والغربية معا) من الهند. وكذلك إحتج و رد شيخ الحديث مع شيخه الفريدبوري على الجنرال أيوب خان (رئيس جمهورية باكستان آنذاك) في عهده، بسبب تنفيذه قانونًا مخالفًا للشريعة الإسلامية، وقد نجح في ذلك ونُفذ القانون مطابقًا للشريعة بعد إحتجاجه، وكان له كلمة في الدولة الباكستانية وبنغلاديش بعد إستقلالها.

وفي سنة1971م عند إستقلال دولة بنغلاديش (باكستان الشرقية سابقًا) من باكستان الغربية عارض شيخ الحديث رحمه الله كل ما يخالف الشريعة الإسلامية حتى اعتبره شعب البنغال القائد العظيم، وبمعاونته أنشئت جمعية علماء إسلام في بنغلاديش وعُين رئيسًا لها.

وفي سنة 1982م عند قيام الحرب بين إيران والعراق سافر شيخ الحديث مع الشيخ محمد الله حافظ جي حضور رحمه الله إلى إيران والعراق، وقابل كلًا من آية الله الخميني وصدام حسين، وحاول الصلح بينهما، ولكن قدر الله وماشاء فعل.

وفي سنة 1993م لما حُوِّل المسجد التاريخي بابري مسجد بالهند إلى معبد الهندوس، أظهر المسلمون عبر العالم الغيظ والغضب ضد الهندوس وفعلهم الشنيع الجريء، حينئذ أعلن شيخ الحديث بالزحف الطويل من داكا إلى ذلك المسجد، فبقيادته تحرَّك أكثر من خمسمائة ألف من المسلمين مظاهرين ومحتجين من مدينة داكا مُشاةً على الأقدام وتوجهوا نحو ذلك المسجد، ووصلوا إلى حدود الهند، حتى نُشر الخبر حول العالم وشجعه مسلمو العالم من بلاد مختلفة وأقطار متنوعة، حتى أن علماء جزيرة العرب قدموا له الشكر والتقدير، ولقبه الشيخ المحقق الناقد البارع عبدالفتاح أبو غده رحمه الله بالمجاهد الكبير وأرسل له هدايا قيمة.

مناصبه في حياته

تولى العلامة عزيز الحق مناصب تالية في المؤسسات العلمية والهيئات المختلفة:

(1) شيخ الحديث: الجامعة القرآنيه العربية لال باغ، الجامعة النورية كمرانغي صر، الجامعة الرحمانية العربية، الجامعة الشرعية مالي باغ، الجامعة الإسلامية لال ماتيا، دار العلوم مير بور، الجامعة الصديقية دار العلوم ميربور، جامع العلوم ميربور، الجامعة المحمدية بناني، الجامعة الإسلامية مدينة العلوم بنك كلوني، دار العلوم نرسندي، الجامعة القرآنية معراج العلوم نرسندي، الجامعة النورية تونغي.

(2) أستاذ: قسم الدراسات العليا في العلوم الشريعة بجامعة داكا.

(3) مدير: للجامعة الرحمانية العربية محمدبور داكا، الجمعة الشرعية مالي باغ داكا، جامعة العزيز الإسلامية محمدبور داكا، مجلس الخلافة بنغلاديش.

(4) خطيب: للعيدين في مصلى العيد الوطني، جامع القلعة لال باغ، جامع عظيم بور.

(5) رئيس الأعضاء: جمعية نظام إسلام باكستان.

(6) رئيس: جمعية علماء إسلام بنغلاديش، مجلس خلافة بنغلاديش، الجبهة المتحدة الإسلامية بنغلاديش.

وفاته ولحوقه بالرفيق الأعلى

بعد ما لبث الشيخ رحمه الله مدة قرابة سنتين طريح الفراش ومبتلى بالأمراض المختلفة المضنية، لبّى دعوة ربه الكريم ولحِق برفيقه الأعلى وكان ذلك يوم التاسع عشر من رمضان سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة بعد الألف من الهجرة النبوية، الموافق للثامن من أغسطس سنة إثنا عشر بعد الألفين من السنة الميلادية، ودفن في مقبرته العائلية"مقبرة العزيز"- التي دفن فيها حفيدته الكبرى قبله - الواقعة في قرية كرانيغنج التابعة لمحافظة داكا بنغلاديش. رحمهما الله رحمة واسعة وأفرغ عليهما سحائب رحمته وشآبيب رضوانه. آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت