إن قصائد شيخ الحديث رحمه الله أورد بعضهم على مختلف أبياتها شتى الاعتراضات، وقالو: إن الشيخ استخدم أوصافا و ألقابا للنبي صلى الله عليه و سلم توهم أنه يعتقد بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو قاض للحاجات و محقق للآمال والأحلام، حيث وصفه عليه الصلاة والسلام بـ مسندي ورجائي وغياثي ومغيثي وخير الملاذ ومرجع العاصي وخير موئل، وما إلى ذلك مما ينبئ عن اعتقاده بذلك، وأنه طلب في بعض الأبيات منه عليه الصلاة والسلام اللطف والكرم وعرض عليه رجاءه وأمنيته وطلب منه عليه الصلاة والسلام المعونة والنصرة، كما يبدو ذلك من أشعاره التالية:
سلام من عزيز الحق عبد … أتاك بالأماني غير عد
أتاك خائفا ذنبا ذنوبا … ليرجو من نوال مستفاد
نوالك يا رسول الله يبغي … فإنك فائق كل الجواد
رجائي من نوالك غير فان … كمثل صلاة ربي في مزيد
و كذلك طلب في عدة أبياته الرحم و الكرم منه عليه الصلاة والسلام كما قال:
ترحم رسول الله جئتك تائبا … لانت كريم للعدو ومعتدي
ترحم عزيز الحق يا من بلطفه … كثيرمن العاصي لفردوس يهتدي
ترحم عزيز الحق يا بحر رحمة … ويا مرجع العاصي ويا خير موئل
وكذلك في مختلف أبياته طلب منه عليه الصلاة والسلام النصرة لمغفرته، و توسل بروضة النبي صلى الله عليه و سلم و جعلها وسيلة للمغفرة بل محاء للذنوب كما يبدو من الأبيات التالية:
أتيتك مولائي بلطفك راجيا … ولن يحرم الراجي بباب محمد
وباب محمد ماحي الذنوب … ولو كانت تعادلها البحور
غرقت ببحر الذنب ما لي عصمة … فخذ بيدي أنت الكريم فخذ يدي
وقالوا إن ذلك كله شرك، وغلا بعضهم فقال: إن هذا شرك جلي!! وهذه الإعتراضات مبنية على الغلو والتفريط، ومنشأ بعضها الغفلة عن السياق والسباق، فإن الأبيات التي توهموا منها ما توهموا، لو تدبروا فيها قبلها من الأبيات وما بعدها لعلموا أن الأبيات التي طلب فيها الجود و الكرم والنوال والعطاء إنما المراد الوحيد بها هو طلب شفاعته و التوسل به عليه الصلاة والسلام إلى الله ليشفع له لمغفرته، و إنه عليه الصلاة والسلام شافع مشفع يوم القيامة، فالمرجو والمطلوب منه عليه الصلاة والسلام إنما هي الشفاعة لا الحاجة التي لا ترجى إلا من الله سبحانه و تعالى، و الاستغاثة منه فيما جعل الله سبحانه و تعالى فوق الأسباب، ولا يقدر عليه أحد من الإنس والجن بل إنماهي الاستعانة والاستغاثة في الشفاعة للمغفرة عند الله تعالى، وهذه ليست بمحظورة، بل السنة أعلنت بجوازها وحضَّت على الفوز بها.
وهذا الذي قلته يتضح من الأبيات التي جاء فيه ذكر طلب العون والنصرة منه، مثلا البيت التالي:
أتيت بآمال و شوق و رغبة … رجاء إليكم و ابتغاء التوسل
فالمصرع الأول ينطوي على زيارته بكل شوق و رغبة، أيُّ الشوق و الرغبة؟ فالمصرع الثاني يبينها بأن الشوق والرغبة هي شوق ابتغاء التوسل أي إنه لم يجئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا لابتغاء التوسل به إلى الله توسلا مشروعا، وقد بُيِّنت أسبابُ مجيئه إلى روضة النبي صلى الله عليه وسلم لابتغاء وجه الله في الأبيات التي بعده:
فربك ساع في رضاك و مسرع … ويعطيك ما ترضى بدون التمهل
و أنت رسول الله جئتك تائبا … ومستغفرا بربي لذنبي المذلل
فلو أنك استغفرته لي وجدته … رحيما و توابا فهل أنت مجمل
أي إنه عليه الصلاة والسلام لو استغفر الله تعالى له يغفر الله له رضا لحبيبه.
و كذلك قوله:
أتاك خائفا ذنبا ذنوبا … ليرجو من نوال مستفاد
نوالك يا رسول الله يبغي … فإنك فائق كل الجواد
فقد ترجمها الشيخ صاحب القصائد نفسه وطبعت تلك الترجمة في بداية شرحه للبخاري باللغة البنغالية، فقد أوضح هناك أن النوال المذكور في البيت المراد به إنما هي شفاعته للمغفرة، (حيث ترجمها الشيخ:
أرجو من نوالك (شفاعة المغفرة) ونوالك (شفاعة المغفرة) ....
فبعد أن اتضح المعنى من صاحبها لا مساغ لإرادة غير ذلك المعنى (انظر صحيح البخاري المترجم له 7/ 15)
أما الاستغفار لأهل الكبائر فالنبي صلى الله عليه و سلم مأمور بذلك كما في قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ، و كذلك وعد الله سبحانه باستجابة دعاءه كما قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] فثِقَةً بهذا الوعد من الله زاره عليه الصلاة والسلام شيخنا رحمه الله برجاء غفران ذنوبه.
ومما إستشكلوا أنه في شتى أبياته طلب الرحم والكرم منه عليه الصلاة والسلام مع أن الرحم والكرم يراد بهما شفاعته عليه الصلاة والسلام، كما يدل عليه البيت الثاني والثمانون من"التوسل بمدح خير الرسل"، فإنه ترجم ذلك الشعر باللغة البنغالية و أوضح هناك أن المراد بالرحمة هي الشفاعة للمغفرة، البيت هو:
ترحم عزيز الحق يا بحر رحمة … ويا مرجع العاصي ويا خير موئل
ترجمه الشيخ هكذا:
ترحم (اشفع في الآخرة) عزيز الحق ...
و كذلك شعر له يوضح ذلك أتم الإيضاح، وهو:
ترحم عزيز الحق و اشفع لذنبه … و كن أنت لي يوم القيامة ناصرا
فههنا قوله"ترحم عزيز الحق"معطوف عليه و قوله"واشفع لذنبه"معطوف، و العطف للتفسير، و يفسر المعطوف ما أريد بالمعطوف عليه، و يوضح أن الرحمة المرجوة إنما هي الشفاعة لغفران الذنوب. و هذا البيت بيت جوهري حاكم في هذا الصدد، تحل جميع ما إستشكل بهذا الصدد و توضح المراد الصحيح في كل ما طلب فيه الرحمة منه عليه الصلاة والسلام، فلا مساغ بعد الإيضاح و التبيان الصريح من قبل صاحبها، أن تكون هناك شك أو ريبةُ غيرِ ذلك.
و مما إستشكلوا أنه عليه الرحمة في مختلف أبياته طلب النصرة و المعونة منه عليه الصلاة والسلام، مع أن المراد كما ذكرنا من أن الاستغفار والتوبة إنما يكون إلى الله و أما طلب المعونة منه عليه الصلاة والسلام، فذلك طلب للشفاعة كما يبدو من الأبيات الآتية:
أتيتك يا خير الورى لشفاعة … ولن يحرم الراجي ببابك طاهرا
ظلمت على نفسي و جئتك تائبا … ومستغفرا ربي كريما و ساترا
فلو أنك استغفرته لي وجدته … رحيما و توابا لذنبي غافرا
و هذا لوعد من كريم و قادر … و وعد كريم بالوفاء تقدرا
و مما أشكل في شتى أبياته جعل روضته عليه الصلاة والسلام وسيلة للمغفرة بل جعلها غافرا للذنوب و ماحيا لها، كما قال:
وباب محمد ماحي الذنوب … ولو كانت تعادلها البحور
فالجواب عنه أن الإسناد إلى الروضة مجاز عقلي، نسبت صفة الغفران إلى السبب، و الإسناد المجازي كيثر الوقوع في كلام العرب، و له شواهد كثيرة في القرآن الكريم، كما قال تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] ، فقد نسب زيادة الإيمان إلى الآيات، و جعلت الآيات مما يزيد في الإيمان، و الحق أن الله هو الذي يزيد في الإيمان، و كذلك قوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] ، فقد نسب الإخراج إلى الأرض و الله عز و جل هو المخرج، و كذلك قوله تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل: 17] ، فقد نسب الإشابة إلى اليوم و الله عز و جل هو المشيب.
فكل ما أشكل أو شكك، فحلوله توجد في ترجمته للقصائد المطبوعة في بداية الجزء السادس و السابع من ترجمته لصحيح البخاري، و في مجموعة قصائده المسماة بـ"قصائد شيخ الحديث في شأن النبي الحبيب صلى الله عليه و سلم."
والعجب أن غير المقلدين المدعين البراءة عن كل شائبة من شوائب الشر ك و البدعة، والذين يرمون علماء ديوبند بالبدعة لقولهم بالتوسل، سيدهم في شبه القارة الهندية نواب وحيد الزمان استدل على جواز استدعاء غير الله و طلب النصرة منه، فقال: و قال السيد العلامة النواب صديق حسن خان في قصيدة طويلة:
يا سيدي و عروتي و وسيلتى … ويا عدتي في شدة و رخائي
قد جئت بابك متضرعا … متأوها بنفس الصعداء
إلى أن قال:
مالي وراك مستغاث فارحمني … يا رحمة للعالمين بكائي
(هدية المهدي ص: 20، من طريق"وقفة مع اللامذهبية في شبة القارة الهندية"ص: 249)
ويقول: قال مولانا اسحاق في"مائة مسائل": هناك فرق بين نداء النبي ونداء غيره، ونداء النبي ظاهره الجواز، ويقول: وقال السيد النواب صديق حسن خان في بعض تواليفه:
قبله دين مدد دي …كعبه ايمان مدد دي
ابن قيم مدد دي … قاضي شوكاني مدد دي
ما ترجمته باللغة العربية: يا دين القبلة! انصرني، ويا إيمان الكعبة انصرني، يا ابن القيم انصرني، ويا قاضي الشوكاني انصرني. (هدية المهدي ص: 22، من طريق"وفقة مع اللامذهبية"ص: 250)
فعلى المعترضين على شيخ الحديث أن يعتبروا من صنيع قدوتهم صديق حسن خان رحمه الله.
وقد بقي هنا سؤال و هو أنه ما معنى طلب الشفاعة والاستعانة من النبي صلى الله عليه و سلم بعد وفاته، و ا رتحاله من دار الفناء إلى دار البقاء؟ و أنى له القدرة على استجابة الدعاء و تحقيق الأمنية؟
فالجواب عن ذلك أن الله تعالى قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] ، فالاستغفار في الآية عام، غير مقيد بقيد الحياة أو الموت، و المطلق يجري على إطلاقه، أما تقييده بقيد الحياة، فهو زيادة على كتاب الله بغير دليل، ما لا يجوزه أهل العلم من الأصوليين، فيبدو من ذلك أن الاستعانة و طلب الشفاعة ممكن جائز بعد وفاته أيضا، كما كان قبل وفاته، وتشهد بذلك نصوص عديدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ يُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِمْ. (مسند أبي يعلى الموصلي برقم 3425) وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]
ومن المعلوم أن الأرواح حية من دون فرق بين مسلم و كافر، فروح المؤمن في العليين و روح الكافر في السجين، و المراد من حياة الانبياء و الصلحاء أنه يُعامَل مع أرواحهم معاملةَ الحي كالرزق و الفرح والصلاة مما هي من أفعال الأحياء، (فيض الباري 3/ 425) فيبدو من ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم حي في قبره، ويجري عليه بعض أمور دنيوية كما كان في حين حياته عليه الصلاة والسلام، مثل تلقيه السلام، وعرض عمل الأمة عليه، والوقوف على أدعية الأمة، والدعاء لهم، وما إلى ذلك، وإن كانت حياته البرزخية مختلفة عن حياته الدنيوية، حيث دل عليه كثيرمن النصوص:
(1) عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ - يَقُولُونَ: بَلِيتَ -؟ فَقَالَ:"إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ"أخرجه أبوداود في سننه برقم 1047
(2) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عليه الصلاة والسلام". أخرجه أبوداود في سننه برقم 2041
(3) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ"أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم 914، وأحمد في مسنده برقم 4210
(4) ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث مالك الدار في استسقاء بلال بن حارث المزني في عهد عمر بالنبي صلى الله عليه و سلم و نص الحديث: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ، قَالَ: وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ:"ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْتَقِيمُونَ. (مصنف ابن أبي شيبة برقم 32002، ما ذكر في فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه) "
فهذا الحديث صريح بأنه عليه الصلاة والسلام سمع دعاء صاحبه بلال بن حارث رضي الله عنه، فأجاب دعوته، استسقى إلى الله تعالى، كل ذلك وقع بحضرة الجم الغفير من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و لم ينكر عليه أحد، فهذا الحديث يدل على أنه يجوز الدعاء إليه بعد وفاته كما دعا إليه في حياته، و كذلك يطلب منه ا لشفاعة كما طلب منه السقي كما نص عليه الحديث، و قد صححه ابن حجر العسقلاني كما قال: و روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية صالح السمان عن مالك الدار و و كان خازن عمر: أصاب الناس .... و روى سيف في الفتوح ان الذي رأى المنام المذكور، هو بلال بن حارث المزني، أحد الصحابة. فتح الباري 2/ 63
وقد صدر الفتوى الهام عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تحت رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في مسئلة حياة الأنبياء: إن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره الحياة البرزخية التي يتهيأ له معها أن يتنعم بما يفيض الله تعالى عليه من أنواع النعيم والكرامة، وليس حيا الحياة التي كانت له في الدنيا، لقوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) .
ومن المناسب المفيد ذكر ما نقله ابن القيم في كتابه"الروح"من قول أبي عبد الله القرطبي نقلا عن شيخه أحمد بن عمرو: إن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى مع أنه قد صح عن النبي أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء وخصوصا بموسى وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن أموت لأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين جاءوا ذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم. (الروح لأبن القيم ص: 36) .
وقد ذكر الإمام إبن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره تحت الآية المذكورة (النساء: 4/ 64) ما يلي: وقد ذكر جماعة منهم: الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه"الشامل"الحكاية المشهورة عن العتبي، قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبى، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له.