هذه القصائد التي أنشأها شيخ الحديث العلامة عزيز الحق رحمه الله في شأن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم يجد القارئ في مختلف أبياتها التوسل به صلى الله عليه وسلم، سيما في القصيدة الأولى المسماة بـ"التوسل بمدح خير الرسل صلى الله عليه وسلم"، و معنى التوسل هو التقرُّب إليه تعالى بعمل صالح أو وسيلة أخرى، و قد اختار الشيخ رحمه الله هذا المنهج منهجَ التوسل به صلى الله عليه وسلم في الدعاء لحصول المغفرة والرحمة من الله و حصول الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم. وجعلَ النبي صلى الله عليه وسلم وحبه ومدحه وسيلة لقبول الدعاء عند الله تعالى.
وجعلُ ذات النبي وحبه وسيلة لاستجابة الدعاء عند الله تعالى مما قد جرى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم و صحابته و التابعين من قبل العلماء والصلحاء، وقد ورد ذلك عن عالم المدينة الإمام مالك وعن الإمام أحمد رحمهما الله أيضا، و لم يُر به بأسٌ منذ هذه القرون الطويلة، و أول من أشكل عليه هو الإمام ابن تيمية رحمه الله، ويشاهد في هذه الأيام أن بعضا من العلماء يعترضون على الأمر، حتى أن بعضهم يفتون - بدون أن يدرك حقيقة الأمر- بأنه شرك، يحتجون لذلك بالآيات التي نزلت في شأن المشركين: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] ، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] و ما إلى ذلك.
وبإمعان النظر في قول الإمام ابن تيمية ودراسة مقالته في هذا الصدد برمتها يبدو لكل باحث مُنصفٍ أنه لم ينف التوسل كليا ولم يحرمه مطلقا، بل كان يحرم بعض صوره الخاصة فقط. والصور التي حرمها الإمام ابن تيمية يحرم أكثرَها العلماءُ القائلون بالتوسل، والخلاف بين الإمام ابن تيمية وبينهم هو في صورة واحدة فقط إذا لم تتوفر شروط سيأتي ذكرها، و أما إذا توفرت تلك الشروط فأجازها الإمام ابن تيمية أيضا، و التوسل التي قام بها الشيخ في قصائده يبدو بأدنى تأمل بأنه هو توسل مشروع عند ابن تيمية أيضا لوجود الشروط التي اشترطها الإمام ابن تيمية. فتوسل الشيخ هذا ليس ببدعة ممنوعة عند الإمام ابن تيمية أيضا، و نفصِّل الموضوع في السطور الآتية إن شاء الله.
صور التوسل وحكمها:
(1) التوسل بعمل صالح، هذا جائز بالاتفاق.
(2) التوسل باعتقاد أن القدرة لتحقيق الأماني هي لله الواحد، لكن الله قد منح هذه القدرة لعبد من عباده، فالمتوسِّل يسأل ذلك العبد، و يذكر اسم الله عليه بركةً فقط، كما يفعله كثير من أصحاب المقابر والمزارات، فهذا صريح بدعة وشرك بالله تعالى، ولا نزاع فيه.
(3) طلب الدعاء من عبد، رجاء أن يقبله الله دعاءه، هذا أيضا جائز بالاتفاق، لكن يشترط له أن يكون ذلك العبد المتوسَّل به حيًّا، إذ لا يمكن طلب الدعاء من الميت.
(4) الحلف على الله بعبد من عباد الله، مثلا أن يقول: يا رب أقسم بذلك الشيخ أن تقبل دعائي هذا، هذه الصورة غير جائزة، لأن الحلف بالمخلوق على المخلوق غير جائز، فكيف على الخالق.
(5) التوسل بذات نبي من أنبياء الله أو بذات ولي من أولياء الله في طلب الدعاء من الله، مثلا أن يدعو: اللهم اغفر لي بوسيلة سيد المرسلين. فهذه الصورة هي التي حرمها الإمام ابن تيمية رحمه الله.
(انظر مجموعة فتاوى ابن تيمية 1/ 153 - 159، و تكملة فتح الملهم: 5/ 62)
وأما عامة العلماء والعلماء الديوبنديون فيقولون بأن التوسل في طلب الدعاء من الله بالأنبياء والصحابة والأولياء في حياتهم و بعد مماتهم جائز ومشروع كما أن التوسل بالعمل الصالح مشروع، فقد نص على جوازه الشيخ خليل أحمد السهارنفوري صاحب «بذل المجهول» في كتابه المؤلَّف في عقائد الديوبنديين «المهند على المفند» ص: 20 ما ترجمته بالعربية:
التوسل بالأنبياء و الصلحاء و الأولياء والشهداء والصديقين جائز عندنا، في حياتهم و بعد مماتهم، كما يتوسل الداعي بأن يقول: اللهم أسئلك بحق نبيك، كذا قال شيخنا اسحاق الدهلوي و مولانا رشيد أحمد الكنكوهي.
ويتشيَّد هذا الرأي بالآيات والأحاديث الصحيحة الكثيرة، نذكر بعضا منها فيما يلي:
(1) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] ، والوسيلة في هذه الآية عامة، تشمل ذات العبد أيضا كما تشمل العمل الصالح، لأن المطلق يجري على إطلاقه، ودلالة الوسيلة الواقعة في الآية على التوسل بالذات يبدو مما رواه ابن عبد البر في"الاستيعاب بمعرفة الأصحاب"2/ 814: بعد أن روى عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أنه قال بعد أن اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وسُقُوْا:"هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل والمكان منه."وأيضا يتضح أمر التوسل بالذات بقول عمر: واتخذوه (يعنى العباس) وسيلة إلى الله
وقد أمر عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه أصحابَه باتخاذ العباس وسيلة إلى الله، كما نقل ابن حجر العسقلاني عن أنساب زبير بن بكار قول عمر بن الخطاب: فَاقْتَدُوا أَيُّهَا النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَاتَّخِذُوهُ وَسِيلَةً إِلَى اللَّهِ. (فتح الباري 2/ 605)
وقد ذهب بعض القوم إلى أن التوسل بالعباس هذا كان هو طلب الدعاء منه، و الأمر ليس كما زعموا، حيث يقول الحافظ في فتح الباري 2/ 606 في شرح قول عمر في حديث الاستسقاء"كنا نتوسل إليك بنبينا": وَكَذَا لَيْسَ فِي قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي الْحَالَيْنِ طَلَبُوا السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ مُسْتَشْفِعِينَ بِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(2) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يا محمد إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» .
أخرجه النسائي في سننه برقم 10419، و أحمد في مسنده برقم 17240، و ابن خزيمة في صحيحه برقم 1219، و ابن ماجه في سننه برقم 1385، و البيهقي في دلائل النبوة 6/ 167، و الطبراني في المعجم الكبير 9/ 30
والحديث أخرجه الترمذي برقم 3578 وصححه فقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ الْخَطْمِيُّ. وسند الترمذي هو هكذا: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ.
و رجال هذا السند كلهم ثقات، و إنما سماه غريبا بعد تصحيحه لانفراد عثمان بن عمر عن شعبة و انفراد أبي جعفر عن عمارة وهما ثقتان باتفاق، و كم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث إنما الأعمال بالنيات، و سماه حسنا لتعدد طرقه بعد جعفر و عثمان بن عمر، تسميته صحيحا باعتبار تكامل أوصاف الصحة في رواته.
حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه الذي اخرجه الأئمة النقاد الحذاق مثل الإمام البخاري في التاريخ الكبير والإمام الترمذي والإمام النسائي والإمام ابن ماجه وصححه الإمام الترمذي يدل على جواز التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم صريحا، وبعد ثبوته بهذا الحديث لا يبقى كبير حاجة إلى إثباته بدلائل أخرى.
(3) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ رَجُلًا، كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَشَكَى ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ:"ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي وَتُذَكُرُ حَاجَتَكَ"وَرُحْ حَتَّى أَرْوَحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأَذْكُرُهَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَى إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتَصَبَّرْ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ» قَالَ ابْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ.
أخرجه الطبراني في الكبير 9/ 30، وصححه بعد سوقه من طرق، كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد برقم 3668، و أقره عليه كما أقر المنذري قبله في الترغيب وأخرجه البيهقي أيضا في دلائل النبوة: 6/ 166
فقد جاء في هذا الحديث أن الرجل قد توسَّل بذات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وهذا الدعاء الذي تعلمه ورواه من جنابه صلى الله عليه وسلم بدون أي واسطة الصحابيُّ عثمانُ بن حنيف هو نفسه قد أدرك أن التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم يجوز بعد وفاته أيضا كما يجوز في حياته حسبما عمله النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا فَقَالَ: «رَحِمَكِ اللهُ يَا أُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وتُشْبِعِينِي وتَعْرَيْنَ، وتُكْسِينِي، وتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبًا، وتُطْعِمِينِي تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ» ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُغَسَّلَ ثَلَاثًا، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ سَكَبَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، ثُمَّ خَلَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ فَأَلْبَسَهَا إِيَّاهُ وَكَفَّنَهَا بِبُرْدٍ فَوْقَهُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ فَحَفَرُوا قَبْرَهَا فَلَمَّا بَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وأَدْخَلُوها اللَّحْدَ هُوَ وَالْعَبَّاسُ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
أخرجه الطبراني في الكبير 24/ 351 بسند فيه روح بن صلاح، ووثقه ابن حبان و الحاكم و بقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد برقم 15399
فقوله عليه الصلاة والسلام:"بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي"يثبت منه أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم يجوز كما يجوز بذوات الأنبياء الغابرين عليهم الصلاة والسلام.
(5) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، وخرجت اتقاء، سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك"
اخرجه ابن ماجة في سننه برقم 778، و أخرجه ابن السني في عمل اليوم و الليلة برقم 84، و قال البوصري في مصباح الزجاجة 1/ 98: هَذَا إِسْنَاد مسلسل بالضعفاء عَطِيَّة هُوَ الْعَوْفِيّ وفضيل بن مَرْزُوق وَالْفضل بن الْموقف كلهم ضعفاء لَكِن رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من طَرِيق فُضَيْل بن مَرْزُوق فَهُوَ صَحِيح عِنْده وَذكره رزين وَرَوَاهُ أَحْمد بن منيع فِي مُسْنده.
فكلمة"السائلين"في قوله عليه الصلاة والسلام:"اللهم إني أسئلك بحق السائلين عليك"عامة تشمل جميع عباده المقربين من الأنبياء والأولياء والصلحاء، أحياء كانوا أم أمواتا.
فحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا مشهور بين المحدثين، مع ذلك قد ضعَّفه بعض الناس، وليس هذا موضع الإجابة عنه بالتفصيل، لكن يكفي في جوابهم أن نقول إن هذا الحديث قد روي من بلال رضي الله عنه أيضا، ولهذه الرواية طرق عديدة ما يرتقي به الحديث إلى درجة الحسن، حيث حسنه الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله في تخريجه لإحياء علوم الدين 1/ 304 (كتاب الأذكار والدعوات، الباب الخامس) ، ووافقه عليه الحافظ العسقلاني في أمالي الأذكار.
(6) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» ، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1010
وقد ذهب الإمام ابن تيمية رحمه الله في هذا الحديث إلى أن المراد بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو طلب الدعاء والشفاعة منه عليه الصلاة والسلام أي أن الصحابة كانوا يطلبون الدعاء والشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يدعون من الله أن يجيب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم في حقهم. (انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 1/ 314 - 315، 5/ 223 - 224)
توجيهه هذا غير مرضي وغير سديد، وهذا التأويل لا مناسبة له مع ألفاظ الحديث، لأن لفظ الحديث هو التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه لغة هو جعل ذات النبي واسطة ووسيلة بين العباد وبين الله، ولا علاقة للفظ التوسل مع معنى الدعاء والشفاعة. حيث لايوجد هذا المعنى في المعاجم والقواميس العربية.
وبعض من الناس يستدل بهذا الحديث على أن التوسل بالنبي جائز في حياته صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ذلك بعد مماته، لأن عمر بن الخطاب توسل بالعباس الذي كان حيا، بدون أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قد مات.
توجيههم هذا أيضا غير سديد، لأنه زيادة على الحديث بالرأي والقياس، إذ الثابت من عمل عمر هو أنه يجوز التوسل بالأدنى مع إمكان التوسل بالأعلى منه، والزائد منه غير ثابت، ويتضح ما قلنا من الرواية المفصلة لهذا الحديث الذي أخرجه الإمام ابن عبد البر رحمه الله في الاستيعاب 2/ 814، حيث جاء فيه:
وكان سبب ذَلِكَ أن الأرض أجدبت إجدابا شديدا على عهد عمر زمن الرمادة، سنة سبع عشرة، فَقَالَ كعب: يا أمير المؤمنين، إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، فَقَالَ عمر: هذا عم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصنو أبيه، وسيد بني هاشم، فمشى إليه عمر، وشكا إليه ما فيه الناس [من القحط [2] ، ثم صعد المنبر ومعه العباس، فَقَالَ:
اللَّهمّ إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنو أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، ثم قَالَ عمر: يا أبا الفضل، قم فادع. فقام العباس. فَقَالَ بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: اللَّهمّ إن عندك سحابا، وعندك ماء، فانشر السحاب، ثم أنزل الماء منه علينا، فاشدد به الأصل، وأدر به الضرع، اللَّهمّ إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه [3] إلا بتوبة، وقد توجه القوم إليك، فاسقنا الغيث، اللَّهمّ شفعنا في أنفسنا وأهلينا، اللَّهمّ إنا شفعنا بمن لا ينطق من بهائمنا وأنعامنا، اللَّهمّ اسقنا سقيا وادعا نافعا، طبقا سحا عاما، اللَّهمّ إنا لا نرجو إلا إياك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك، اللَّهمّ إليك نشكو جوع كل جائع، وعرى كل عار، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف ... في دعاء كثير. وهذه الألفاظ كلها لم تجيء في حديث واحد، ولكنها جاءت في أحاديث جمعتها واختصرتها، ولم أخالف شيئا منها. وفى بعضها: فسقوا والحمد الله. وفي بعضها قال: فأرخت السماء عز اليها، فجاءت بأمثال الجبال، حتى استوت الحفر بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس.
فقد ذكر في هذه الرواية المفصلة أن سبب توسل عمر بن الخطاب بالعباس أن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، كما ذكر له كعب، فقد توسل عمر بالعباس لكونه عصبة للنبي صلى الله عليه وسلم على دأب بني إسرائيل، لا لكونه حيا، ولم يخطر بباله أنه عدل عن التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى التوسل بالعباس لكون النبي ميتا والعباس حيا، وليس في كلام كعب و لا كلام عمر بن الخطاب ما يوهم بذلك.
أما حديث عثمان بن حنيف الذي أخرجه الترمذي و غيرهم فأجاب العلامة ابن تيمية رحمه الله عن هذا الحديث بعد اعترافه بثبوته في كتابه"التوسل والوسيلة"ص: 64:"وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم و شفاعته"و لكنه تفسير لا يوافق سياق الحديث، لأن الرجل قد سبق أن طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو بنفسه لنفسه، متوسلا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان المراد من التوسل هنا طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم و انتهى الأمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم علمه طريق الدعاء لنفسه في المستقبل و علمه في ذلك أن يتوسل بذاته، و ليس معنى ذلك هنا إلا أن يتوسل إلى الله تعالى بحبه للنبي صلى الله عليه وسلم. أما قوله:"اللهم فشفعه فِيَّ"فالمراد منه إجابة دعاءه صلى الله عليه وسلم، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بأنه سوف يدعو له، فأمره أن يدعو بقبول شفاعته ودعاءه.
ومما يدل على صحة ما قلنا أنه لو كان التوسل بمعنى طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لما جاز مثل التوسل بعد وفاته صلى الله عليه وسلم على ما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله. ولكن وقع في رواية الطبراني أن عثمان بن حنيف رضي الله عنه قد أمر رجلا بالدعاء بهذا اللفظ بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما مر الحديث بتمامه آنفا.
وبإمعان النظر يرى أن التوسل بالعبد الصالح لا يرجع إلا إلى التوسل بالأعمال الصالحة الذي انعقد الإجماع على جوازه، وذلك لأن من يقول: اللهم إني أتوسل إليك بعبدك فلان، فإنه لا يريد بذلك إلا أنني أحب ذلك العبد و أعتقد فضله وصلاحه، و بما أنه محبوب لديه، فإنني أستجلب رحمتك بعلاقتي به، فهو في الحقيقة استجلاب لرحمة الله تعالى بعلاقة المرء برجل صالح و حبه إياه.
فلو صرح بذلك رجل في دعاءه و قال: اللهم إني أتوسل بحبي للنبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن العلام ابن تيمية لا يمنعه، لأنه يقول بجواز التوسل بالأعمال الصالحة، وإن حب النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال الصالحة بالإجماع، فلو اختصر رجل في العبارة وقال اللهم إني أتوسل إليك بالنبي صلى الله عليه وسلم و لم يقصد به إلا المعنى الذي ذكرناه، و هو من أظهر معاني التوسل - فليس في القرآن و السنة أو في الأصول الثابتة بهما ما يمنع من هذا التوسل.
علاوة على ذلك، إن استعمل رجل لفظ التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن غرضه التوسل بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم و التوسل بحبه صلى الله عليه وسلم، فإبن تيمية رحمه الله أيضا أجازه، كما قال بصدد نقل كلام المعترضين عليه والجواب عنه:".... فيحمل قول القائل: أسئلك بنبيك محمد، على أنه أراد إني أسئلك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبتي به، ونحو ذلك، وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع، قيل: من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف - كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين و عن الإمام أحمد و غيره - كان هذا حسنا، وحينئد فلا يكون في المسئلة نزاع، و لكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ و لا يريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر. (مجموعة فتاوى ابن تيمية 1/ 221) "
كلامه هذا يجري في شأن قصائد شيخنا أيضا، لأنه وإن استعمل في قصيدته لفظ التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن التوسل بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والحب له عليه الصلاة والسلام أيضا ملحوظ في قصيدته، كما يبدو ذلك من عنوان قصديته الأولى: التوسل بمدح خير الرسل صلى الله عليه وسلم، لأن المدح ينشأ من الإيمان والحب، فالتوسل بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والحب له عليه الصلاة والسلام ملحوظ في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، و على جوازه قد ذكرنا نص الإمام ابن تيمية رحمه الله.
وللشيخ عابد السندهي رحمه الله مقالة مفصلة على موضوع التوسل، فمن أراد البسط في هذا الموضوع فليراجع ثمه.