قوله: (أو عَلَى جملة معانيه) عطف عَلَى قوله عَلَى ما فيه، وإنما أعاد كلمة عَلَى لطول
العهد مع الالتباس، والْمُرَاد بالْجُمْلَة هَاهُنَا المجمل لا بمعنى الجميع والقرينة عليه كنار عَلَى
علم ولو أريد بها المجموع وجعل قوله من الحكم الخ. بيان له لم يبعد. والْمَعْنَى أو لأنها
تشتمل عَلَى مجمل معانيه دون تفاصيله ومن ذلك تشبه بالأم.
قوله: (من الحكم النظرية والأحكام العملية) شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء
الاعتقاد وبهذا يظهر وجه تسميتها بالشافية والشفاء والأحكام العملية الكاشفة عن محاسن
الْأَعْمَال وقبائحها والمرغبة في المحاسن والزاجرة عن القبائح وبهذا يظهر وجه تسميتها
بسورة الكنز والوافية والحكم جمع حكمة وهي إيقان العلم واتقاد العمل فهما معتبران في
الْحكْمَة فمن أيقن العلم ولم يعمل أو أتقن العمل بلا علم فلا يكون حكيما لكن الْمُرَاد هنا
بها إيقان العلم فقط بقرينه وصفها بالنظرية فالْحكْمَة النظرية هي العلم بالأمور التي يقصد منها
مجرد العلم دون العمل كمعرفتنا باللَّه تَعَالَى وصفاته العلية والنبوة وأمر المعاد وغير ذلك مما
يتعلق بالإلهيات والاعتماديات والْحكْمَة العملية هي العلم بالأمور التي يقصد منها العمل دون
العلم؛ إذ العلم ذريعة إليه وعبر المص عنها بالأحكام العملية تنبيهًا عَلَى ذلك؛ إذ الحكم
الشرعي هُوَ خطاب الله تَعَالَى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وإنما
قدم الْحكْمَة النظرية مع أنه أخَّرها في سورة يونس في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَاءَتْكُمْ مَوْعظَة منْ رَبّكُمْ)، الآية. لأنها أساس وأصل بصحبة الْأَعْمَال الجارحة
أو غيرها، وأما تأخيرها هناك فلكون ما أَشَارَ إلَى الْحكْمَة العملية في النظم الجليل مذكورا أولًا
بخلاف ما ذكر هنا كما سينكشف عليك.
قوله:(التي هي سلوك الطريق المستقيم والاطلاع عَلَى مراتب السعداء ومنازل
الأشقياء)صفة جملة معانيه؛ إذ العطف عَلَى الْمُضَاف أولى مع أن جعله صفة للمعاني المبينة
بالحكم والأحكام راجع إلَى ذلك ولَيسَ صفة للأحكام وحدها كما يوهم ذكره عقيبها لعدم
اخْتصَاص السلوك والاطلاع الْمَذْكُورين بالأحكام، وأما احتياجه إلَى تقدير الْمُضَاف حِينَئِذٍ
أي أحكام سلوك فلا يكون وجهًا ضعيفًا لأنه شائع ذائع لا سيما عند ظهور القرينة كما هنا
قوله: سلوك الطريق المستقيم مُسْتَفَاد من قَوْلُه تَعَالَى: (اهْدنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ)
، وهو كما يكون بالنظر إلَى الأفعال والأخلاق يكون بالنظر إلَى الاعتقاد فإن سلوك
الطريق المستقيم والاطلاع عَلَى مراتب السعداء إنما يتم بالذكر والفكر والْعبَادَة الخالصة له
وتفويض الأمر إليه في جميع الأحوال والأهوال ويتضمن جميع ذلك الْحَمْدُ للَّه إلَى قَوْله
وإياك نستعين، فلا وجه للتَّخْصِيص بالأفعال بل هذا أخرى بالاعتقاد؛ إذ المطلوب فيه دائمًا
السداد وإن اعوجاجه يفسد الْأَعْمَال دون العكس في المآل وكذا الاطلاع الْمَذْكُور المشار إليه
بقوله: (صراط الَّذينَ أنعمت) ، الآية. لا يَخْتَصُّ بالْحكْمَة النظرية كما أشار إليه
الْمُصَنّف بقوله، والْمُرَاد القسم الأخير وما يكون وصلة إلَى نيله من القسم الأخير انتهى. فلا
وجه للحمل عَلَى اللف والنشر لا سيما غير المرتب فإنه شرح كلام لا يرضي قائله لما عرفت
من العموم الآتي وما يكون وصلة الخ. إلَى الاعتقادات والْأَعْمَال الصالحات لكن قيل نقل هنا