قيل ولو حمل التعبد عَلَى التقرب بأنواع القربات والباء في بالأمر عَلَى السببية عَلَى أن
الْمُرَاد بهما معناهما الحقيقي لكان أسلم من التَّكَلُّف وذكر الأمر والنهي للإشَارَة إلَى أن
القربات إنما يعتد بها إذا وافقت الشرع فعلم منه أن الامتثال بالأمر والنهي معتبر في كون
الْعبَادَة عبادة معتدًا بها سواء كان الامتثال الْمَذْكُور لازمًا للعبادة أو جزءًا من مفهومها كما
هو الظَّاهر ويؤيده ما وقع في الكشف من قوله الْعبَادَة التحقق بالعُبُوديَّة بارتسام ما أمر السيد
أو نهى فإنه صريح في كون الارتسام الْمَذْكُور قيدا للتحقق فتكون الْعبَادَة عبَارَة عن
المجموع، وأما قول الْمُصَنّف فيما سيجيء أن الْعبَادَة غاية الْخُضُوع والتذلل معناه غاية
الْخُضُوع مع امتثال ما أمر ونهى، أَلَا [تَرَى] أن غاية الْخُضُوع بدون الامتثال لا تزن عند الله
جناح بعوضة؛ إذ الْمُرَاد بالْعبَادَة عبادة الْمُسْلمينَ لله تَعَالَى المَفْهُومَة من إيَّاكَ نَعْبُدُ فيلزم من
اشتمال الْفَاتحَة عَلَى التعبد اشتمالها عَلَى الامتثال الْمَذْكُور، وأما قَوْلُه تَعَالَى:(ويعبدون من
دون الله ما لا يضرهم)، الآية. فالْعبَادَة فيه صورة عبادة لا حَقيقَة عبادة. نعم إنها
عبادة لغة ولا كلام فيه، وإنَّمَا الْكَلَام في الْعبَادَة الشرعية .
قوله: (وبيان وعده ووعيده) المفهومان من قوله أنعمت عليهم فإن الْمُرَاد بالإنعام
الإنعام في الْآخرَة وما يوصل به كما اختاره المص وإنعامه في الْآخرَة يَشْمَل جميع ما وعد
به عباده من اللذائذ الجسمانية والروحانية وغضبه يندرج فيه وعيداته فإنها ثمرات الغضب
فهذه السُّورَة الكريمة لاشتمالها عَلَى تلك الأبعاض إجمالًا وصيرورتها مفصلًا في سائر
السور تشبه الأم التي يندرج فيها الولد بلا ظهور تام ويظهر عند الانفصال منها وهذا الوجه
مبني عَلَى أن نظم الْقُرْآن منقسم أصوله إلَى الْأَقْسَام الثلاثة وإن فاتحة الْكتَاب مشتملة
عليها فإن الثناء والأمر والنهي والوعد والوعيد من قبيل الألفاظ فالْفَاتحَة عبارة عن تلك
الألفاظ باعْتبَار الدلالة عَلَى الْمَعَاني فاشتمالها عَلَى ذلك من قبيل اشتمال الكل عَلَى أجزائه
بخلاف الوجه الذي يتلوه فإنه بالنظر إلَى معانيه كما سيعود عليك مفصلًا وفي بعض
الحواشي إن ابن سيرين كره تسميتها أم الْقُرْآن والحسن البصري كره تسميتها أم الْكتَاب ورد
بثبوته في الصحيحين وغيرهما كحديث الْحَمْدُ للَّه أم الْقُرْآن وأم الْكتَاب كذا قيل. ولعلهما لم
يطلعا عَلَى ما في الصحيحين لكنَّ ذلك بعيدا ومرادهما الكراهية لمن لا يفهم الْمُرَاد منه أو
تلك الرّوَايَة غير ثابتة عنهما .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
والقرون الْمَاضية السعداء منهم والأشقياء وما يتصل به من وعند محسنيهم ووعيد مسيئهم وهو
الْمُرَاد بقوله: (أنعمت عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالين) .