وأنكر النووي على صاحب «لمهذب» استدلاله بحديث عمر، وقال: هو نذر في الجاهلية، وقد تقرر أن النذر في الجاهلية لا ينعقد على الصحيح، فلم يكن ذلك شيئًا واجبًا عليه.
قال ابن بطال: وهذا محمول على الحصر والندب لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله.
قال المهلب: كلُّ ما كان في الجاهلية من يمين وطلاق وشبههما فإنَّ الإسلام يهدمه، ويكون الأمر بذلك أمرَ استحباب كيلا يكون خُلْفًا في الوعد.
وذهب البخاري إلى وجوب الوفاء به، ولهذا بوب في كتاب النذر: «بَابُ إِذَا نَذَرَ وْ حَلَفَ أَلا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمَ» فقاس اليمين على النذر، وهو قول
الشافعي وأبي ثور والطبري.
وزعم ابن الجوزي أن معنى قوله: (فِي الجَاهِلِيَّةِ) أي: ونحن بمكة قبل فتحها وأهلها جاهلية، فعلى هذا لا يكون ناذرًا في الكفر، وبنحوه قاله الأصيلي، قال: يعني في زمن الجاهلية بعد أنه أسلم عمر بن الخطاب. انتهى كلامهما.
وفيه نظر، لما ذكره ابنُ أبي عاصم في كتاب «الصيام» : حَدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: «نذرتُ أن أعتكف في الجاهلية، فلمَّا أسلمت سألتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: أوفِ بنذرك» .
قال القرطبي: والصحيحُ اشتراط الصوم؛ لأنَّ حديث عائشة ـ إن صحَّ ـ فهو نص، وإن لم يصحَّ فالأصل في العبادات والقرب أنها تفعل على نحو ما قرَّرها الشارع أو فعلها، وقد تقرر مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . وأن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يعتكف إلا صائمًا، فمن ادَّعى جوازَه بغير صومٍ دُفِعَ إلى إقامة دليل على ذلك. انتهى.